كل ذلك لقلة بصيرة أهل زماننا بما جمعوه، وعدم فقههم بما كتبوه وسمعوه، ومنعهم نفوسهم عن محاضرة الفقهاء، وذمهم مستعملي القياس؛ لسماعهم الأحاديث التي تعلق بها أهل الظاهر في ذم الرأي والنهي عنه والتحذير منه، وأنهم لا يميزوا بين محمود الرأي ومذمومه، بل سبق إلى نفوسهم محظور على عمومه، ثم قلدوا مستعملي الرأي في نوازلهم، وعولوا فيها على أقوالهم ومذاهبهم، فنقضوا بذلك ما أصلوا، واستحلوا ما كانوا حرموه، وحق لمن كانت هذه حاله أن يطلق فيه لقول، ويشنع عليه بضروب التشنيع )) .
وقال شيخنا العلامة الأستاذ الدكتور وهبي سليمان غاوجي الألباني (1) : (( ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل مشتغل بالحديث أهلًا للكلام في الرجال، فإنه فيهم حملة لألفاظ الحديث الشريف دون تحقيق معانيه ومعرفة دلالاته ومراميه، وأمثال هؤلاء لا يبالى بمدحهم ولا بقدحهم ) ).
فهذه النصوص تتحدث عن هؤلاء الرواية الذين لم يرزقوا حظًا من الفقه، فإنه يلاحظ نفرة عجيبة بينهم وبين أهل الفقه؛ لتوقفهم على ظواهر النصوص والاحتكام إليها في بيان الأحكام الشرعية دون أن يكون لديهم أصول وقواعد في الاستنباط.
وهذه الحال للرواة قديمًا ففي (( هؤلاء المكثرين من الرُّواية بدون اهتمام بالتَّفقه والدِّراية، يقول إمام الجرح والتعديل شعبة - رضي الله عنه: (( كنت إذا رأيت رجلًا من أهل الحديث يَجيء أفرح به، فصرتُ اليوم ليس شيء أبغض إليّ من أن أرى واحدًا منهم ) ).
وقال الإمام المحدث ابن عيينة - رضي الله عنه: (( أنتم سحنة عين،لو أدركنا وإيَّاكم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لأوجعنا ضربًا ) ).
وقال عمر بن الحارث ـ شيخ الليث ـ: (( ما رأيت علمًا أشرف وأهلًا أسخف من أهل الحديث ) ) (2) .
(1) في أبي حنيفة النعمان ص210.
(2) ينظر: تأنيب الخطيب ص70، وغيره.