ومناقشة من ناقشهم بأنه يوجد بين السلف مَن يحاسب بعض من أرسل محاسبة غير عسيرة، مناقشة في غير محلها؛ لأن تلك المحاسبة إنما هي من عدم الثقة بالراوي المرسل، كما ترى مثل هذه المحاسبة في حق بعض المسندين، فإذن ليست المسألة مسألة إسناد وإرسال، بل هي مسألة الثقة بالراوي.
والإمام الشافعي - رضي الله عنه -، لما ردَّ المرسل، وخالف من تقدمه اضطربت أقواله، فمرة قال: إنه ليس بحجّة مطلقًا، إلا مراسيل ابن المسيِّب - رضي الله عنه -، ثم اضطّر إلى ردّ مراسيل ابن المسيِّب نفسه في مسائل، ثم إلى الأخذ بمراسيل الآخرين، ثم قال: بحجية المرسل عند الاعتضاد؛ ولذلك تعب أمثال البيهقي - رضي الله عنه - في التخلص من هذا الاضطراب، وركبوا الصعب، وفي (( مسند الشافعي ) )نفسه مراسيل كثيرة، بالمعنى الأعم الذي هو المعروف بين السلف، وفي (( موطأ مالك ) )نحو ثلاثمائة حديث مرسل، وهذا القدر أكثر من نصف مسانيد (( الموطأ ) ). والبخاري نفسه تراه يستدلّ في كتبه بالمراسيل، وكذا مسلم في المقدمة، وجزء الدباغ )) (1) .
(( وقد احتج بالمرسل أبو حنيفة وأصحابه ومالك وأصحابه، وكذا الشافعي وأحمد وأصحابهما إذا اعتضد بمسند آخر أو مرسل آخر بمعناه عن راوٍ آخر فيدلّ على تعدد المخرج أو وافقه قول بعض الصحابة - رضي الله عنهم - أو إذا قال به أكثر أهل العلم، فإذا وجد أحمد هذه الأربعة دلّ على صحة المرسل.
(1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص297-298، وغيرها.