الصفحة 236 من 306

وقال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (1) : (( ومن شروط قبول الأخبار عند الحنفية مسندة كانت أو مرسلة: أن لا تشذّ عن الأصول المجتمعة عندهم، وذلك أن هؤلاء الفقهاء بالغوا في استقصاء موارد النصوص من الكتاب والسنة، وأقضية الصحابة - رضي الله عنه - إلى أن أرجعوا النظائر المنصوص عليها، والمتلقاة بالقبول إلى أصل تتفرع هي منه، وقاعدة تندرج تلك النظائر تحتها، وهكذا فعلوا في النظائر الأخرى، إلى أن أتمّوا الفحص والاستقراء، فاجتمعت عندهم أصول ـ موضع بيانها كتب القواعد والفروق ـ يعرضون عليها أخبار الآحاد، فإذا ندَّت الأخبار عن تلك الأصول وشذَّت، يعدونها مناهضة لما هو أقوى ثبوتًا منها، وهو الأصل المؤصل من تتبع موارد الشرع الجاري مجرى خبر الكافة.

والطحاوي كثير المراعاة لهذه القاعدة في كتبه، ويظنّ من لا خبرة عنده أن ذلك ترجيح منه لبعض الروايات على بعضها بالقياس.

وآفة هذا الشذوذ المعنوي في الغالب، كثرة اجتراء الرواة على الرواية بالمعنى ،

بحيث تخلّ بالمعنى الأصلي، وهذه قاعدة دقيقة، يتعرف بها البارعون في الفقه مواطن الضعف، والنتوء في كثير من الروايات، فيرجعون الحق إلى نصابِه بعد مضاعفة النظر في ذلك.

ولهم أيضًا مدارك أخرى في علل الحديث دقيقة، لا ينتبه إليها دهماء النقَلة )) .

وقال أيضًا (2) : (( وأما رد خبر الآحاد الصحيح إذا خالف القياس فافتراء على أبي حنيفة - رضي الله عنه - أن يكون هذا من أصلوه، بل لا يأخذ بالقياس أصلًا، إلا إذا لم يجد الحكم في كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين.

نعم إن أبا حنيفة - رضي الله عنه - درس موارد الشرع حتى اجتمع عنده أصول، فيعرض خبر الآحاد على تلك الأصول، فإذا خالفها يعدّه شاذًا خارجًا على نظائره في الشرع فيضاعف النظر ليحكم حكمه في الخبر.

(1) في مقدمة نصب الراية ص298.

(2) في إحقاق الحق بإبطال الباطل في مغيث الخلق ص41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت