وهذا شيء غير مخالفة القياس يفهمه من درس كتب الطحاوي - رضي الله عنه - كما ينبغي، فيكون هذا عملًا بأقوى الدليلين لا ردًا للحديث بمخالفته القياس، وشروطه في قبول الأخبار من أحكم الشروط عند مَن يتوقى الزلل في شرح الله، وهو ليس يرد رواية أحد من الصحابة - رضي الله عنهم - شكًا في أنهم عدول، بل إنما يرجح بعض الأخبار على بعضها عند اختلاف الروايات أو تضادها بوجوه ترجيح لا غبار عليها، منها: ترجيح رواية من هو أكثر ملازمة وأفقه وأبعد عن قلة الضبط ببلوغه سن الهرم وغيره ذلك مما هو مشروح في محله، وقلما يمكن تضعيف شرط من شروطه عند من ألقى السمع، وهو شهيد... )) .
رابعًا: العمل المتوارث:
فإن له شأن يختبر به صحّة كثير من الأخبار، وليس هذا الشأن بمختصّ بعمل أهل المدينة، بل الأمصار التي نَزلها الصحابة - رضي الله عنهم - وسكنوها، ولهم بها أصحاب، وأصحاب أصحاب، سواء في ذلك ـ وفي رسالة الليث - رضي الله عنه - إلى مالك - رضي الله عنه -، ما يشير إلى ذلك ـ (1) ، وقد سبق تفصيل ذلك في مكانة الكوفة الفقهية.
خامسًا: دوام حفظ الراوي للحديث:
فإن الإمام أبا حنيفة - رضي الله عنه - يشترط استدامة الحفظ من آن التحمّل إلى آن الأداء، وعدم الاعتداد بالحفظ، إذا لم يكن الراوي ذاكرًا لمرويه (2) ؛ إذ أنه قال: (( لا ينبغي للرجل أن يحدث من الحديث إلا بما حفظه من يوم سمعه إلى يوم يحدِّث به ) ) (3) .
سادسًا: تسويغ اقتصار الرواية بالمعنى على الفقيه:
قال الإمام الكوثري - رضي الله عنه - (4) : (( وهذا مما يراه أبو حنيفة حتمًا ) ).
سابعًا: مراعاة مراتب الأدلة في الثبوت، والدلالة:
(1) ينظر: مقدمة نصب الراية ص299، وغيرها.
(2) ينظر: المصدر السابق ص299 عن الإِلماع للقاضي عياض، وغيره.
(3) ينظر: مكانة الإمام أبي حنيفة في الحديث ص73، وغيره.
(4) في مقدمة نصب الراية ص299، وغيرها.