والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، كما نطق به كتاب ربنا حيث قال: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ } (1) ، وتفسيره على ما أراده الله تعالى وعلمه، وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين، فهو كما قال (2) ، ومعناه وتفسيره على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا، فإنه ما سلم في دينه إلا من سلَّم لله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.
ولا يثبت قدم الإسلام على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام علم ما حظر عليه ولم يقنع بالتسليم فهمه حجبه مرامه عن خالق التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان، فيتذبذب بين الكفر والإيمان والتكذيب والإقرار والإنكار، موسوسًا تائهًا زائغًا شاكًا، لا مؤمنًا مصدقًا ولا جاحدًا مكذبًا.
ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم، أو تأولها بفهم، إذا كان تأويل الرؤية، وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المرسلين، وشرائع النبيين.
ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل، ولم يصب التنزيه فإن ربنا جل وعلا موصوف بصفات الوحدانية، منعوت بنعوت الفردانية، ليس بمعناه أحد من البرية، تعالى الله عن
(1) القيامة:22-23.
(2) قائله، ولكن على المعنى الذي أراده، فإنه من حيز المتشابه الذي استبد الله بعلمه والمتشابه وكل وصف اتصف به الذات العلية مما لا يدرك في العقل ولا يترك للنفل. ينظر: شرح الميداني ص71.