الصفحة 267 من 306

وكان الإمام أبو حنيفة - رضي الله عنه - يبرّه ويتعهده في معاشه، قال أبو يوسف - رضي الله عنه: (( كنت أطلب الحديث والفقه وأنا مقل رث الحال، فجاء أبي يومًا وأنا عند أبي حنيفة فانصرفت معه فقال: يا بني؟ لا تمدن رجلك مع أبي حنيفة - رضي الله عنه -، فإن أبا حنيفة - رضي الله عنه - خبزه مشوي، وأنت تحتاج إلى المعاش فقصرت عن كثير من الطلب، وآثرت طاعة أبي، فتفقدني أبو حنيفة وسأل عني فجعلت أتعاهد مجلسه، فلمّا كان أول يوم أتيته بعد تأخري عنه، قال لي: ما شغلك عنا؟ قلت: الشغل بالمعاش وطاعة والدي، فجلست فلما انصرف الناس دفع إلى صرّة وقال: استمتع بهذه فنظرت فإذا فيها مئة درهم، فقال لي: الزم الحلقة وإذا نفدت هذه فأعلمني، فلزمت الحلقة فلما مضت مدة يسيرة دفع إلى مئة أخرى، ثم كان يتعاهدني وما أعلمته بخلة قط، ولا أخبرته بنفاد شيء، وكان كأنه يخبر بنفادها حتى استغنيت وتمولت ) ) (1) .

وولي القضاء لثلاثة خلفاء: المهدي، والهادي، والرشيد، وكان إليه تولية القضاء في المشرق والمغرب، وهو أوَّلُ مَن خوطبَ بقاضي القضاة، وأوَّل مَن غَيَّرَ لباس العلماء بهذا الزِّي، وذلك كلُّه في خلافة الرشيد.

وهو أوّل مَن وضع الكتاب في أصولِ الفقه على مذهب أبي حنيفة، أملى المسائل ونشرها، وبثَّ علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وله: (( الأمالي ) )، و (( الخراج ) ) (2) .

الرابع: ثناء العلماء عليه:

قال يحيى بن معين - رضي الله عنه: (( ما رأيت في أصحاب الرأي أثبت في الحديث ولا أحفظ ولا أصح رواية من أبي يوسف ) ).

قال يحيى بن خالد - رضي الله عنه: (( قدم علينا أبو يوسف وأقل ما فيه الفقه، وقد ملأ بفقهه ما بين الخافقين) .

قال عبد الله داود الخريبي - رضي الله عنه: (( كان أبو يوسف قد اطلع على الفقه أو العلم اطلاعًا يتناوله كيف يشاء ) ).

(1) ينظر: المصدر السابق ص8-9، وغيره.

(2) ينظر: طبقات ابن الحنائي ص15-16، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت