الصفحة 273 من 306

إن انتسابَهما لأبي حنيفة - رضي الله عنه - لا ينقص من اجتهادهما؛ لأنه من انتساب التلميذ لشيخه وعرفانه بجميله، وقد كان لهم الفضل في نشر مذهب شيخهم، قال الإمام الكوثري (1) - رضي الله عنه: (( والحق أن الاجتهاد له طرفان أعلى وأدنى وفيما بين الطرفين درجات متفاوتة جد التفاوت، ومنازل متخالفة كل التخالف، فلا تظهر منْزلة الفقيه بمجرد عدّه من طبقة أهل الاجتهاد المطلق المستقل، وكم بين الذي حافظوا على الانتساب من هو أعلى منْزلة من الذي حاولوا الاستقلال على أن الاستقلال بالمعنى الصحيح لا يوجد بين الأئمة المتبوعين، فضلا عمّن بعدهم؛ لأن أبا حنيفة - رضي الله عنه - تابع في معظم اتجاهه طريقة فقهاء العراق من أصحاب علي وابن مسعود - رضي الله عنهم - وأصحاب أصحابهم ولا سيما إبراهيم النخعي، وأما مالك بن أنس فيجري على منحى ابن عمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وأصحابهما وأصحاب أصحابهما إلى الفقهاء السبعة بالمدينة وأصحابهم ولا سيما ربيعة الرأي… ) ).

إن الإمام الدبوسي - رضي الله عنه - (ت430هـ) ألف كتاب (( تأسيس النظر ) )، وبيَّن فيه الأصول والقواعد التي خالف فيها الصاحبان أبا حنيفة أو خالف كلّ منهما الآخر فيها، مما ابتنى عليها مسائل فرعية عديدة.

إن محمد - رضي الله عنه - قرن رأيه ورأي أبي يوسف - رضي الله عنه - مع رأي أبي حنيفة - رضي الله عنه - في مسائل كتب ظاهر الرواية التي خالفاه فيها، مما يوضح أنهما كانا يعتقدان أن لهما أهلية في الاجتهاد مثل شيخهما، ولكنهما آثرا نشرَ مذهبهم جميعًا؛ لأن مذهب الجماعة أقوى من مذهب الفرد، ولما فيه من التيسير على غيرهما فيما اختلفا فيه، واعتارفًا منهما بمكانة أبي حنيفة - رضي الله عنه - ودرجته العالية في الفقه.

(1) في حسن التقاضي ص25-26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت