ولم يكن علمه مقتصرًا على ابن مسعود وعلي والصحابة الذين حلّوا في الكوفة - رضي الله عنهم - فقط، بل شمل غيرهم من كبار فقهاء الصحابة في البلاد الأخرى، فإن له رحلة إلى أبي الدرداء - رضي الله عنه - بالشام، وإلى عمر، وزيد، وعثمان بن عفان وعائشة - رضي الله عنهم - بالمدينة، وهو ممن جمع علوم الأمصار، توفي بالمدينة في سنة (62هـ) (1) .
مسروق بن الأجدع الهمداني - رضي الله عنه -، معمّر مخضرم، أدرك الجاهلية، روى عن عمر، وعلي، وعبد الله، وخباب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعائشة - رضي الله عنهم -، وله رحلات واسعة في العلم، حتى قال الشعبي عنه: (( ما رأيت أحدًا أطلب للعلم في أفق من الآفاق من مسروق ) )، وهذا الكلام ينقض ما توهمه بعضهم من أن الرحلة في طلب الحديث والعلم كان في عصر الشافعي وأحمد - رضي الله عنهم -، مما أوصلهم إلى تضعيف ردّ كثير من مسائل من سبقهما بحجة أن الحديث لم يصلهما؛ لتقصير في طلبه، وهذه فرية بلا مرية، سيأتي تفصيل ردها.
وكان عالمًا عابدًا خاشعًا متواضعًا زاهدًا، فعن أبي إسحاق: (( حج مسروق فما نام إلا ساجدًا على وجهه ) )، وعن مسروق قال: (( كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلًا أن يعجب بنفسه ) ). وروي أن مسرق أخذ بيد ابن أخ له، فارتقى على كناسة بالكوفة، فقال: ألا أريكم الدنيا؟! هذه الدنيا: أكلوها فأفنوها، ولبسوها فأبلوها، وركبوها فأضنوها، سفكوا فيها دماءهم، واستحلوا فيها محارمهم، وقطعوا في أرحامهم )) .
وكان من أعلم الناس بالفقه والقضاء، قال الشعبي - رضي الله عنه: (( كان مسروق - رضي الله عنه - أعلم بالفتوى ) )، وقال مسروق: (( لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أو أصيب الحق أحب إلي من رباط سنة في سبيل الله ) ).
(1) ينظر: طبقات الحفاظ 1: 20، وتهذيب الكمال 20: 300-308. والتقريب ص337، وطبقات الشيرازي ص79، والطبقات الكبرى 6: 86، ومقدمة نصب الراية ص304-305، وغيرها.