وقاطنو مكة وساكنوها، فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلنا، ولا تعرف له مثل ما تعرف لنا، فلا تعظموا شيئا من الحل مثل ما تعظمون الحرم، فإنكم إن فعلتم ذلك استخفت العرب بحرمتكم وقالوا: قد عظموا من الحل مثل ما عظموا من الحرم. فتركوا الوقوف على عرفة والإفاضة منها، وهم يعرفون ويقرون أنها من المشاعر والحج ودين إبراهيم. ويرون لسائر العرب أن يقفوا عليها وأن يفيضوا منها، إلا أنهم قالوا نحن أهل الحرم وليس ينبغي لنا أن نخرج من الحرم ولا نعظم غيره كما يعظم. نحن الحمس والحمس أهل الحرم. ثم جعلوا لمن ولدوا من العرب من مساكن الحل والحرم مثل الذي لهم بولادتهم إياهم، يحل لهم ما يحل لهم ويحرم عليهم ما يحرم عليهم. وكانت كنانة وخزاعة قد دخلوا معهم في ذلك، ثم ابتدعوا في ذلك أمورا لم تكن لهم حتى قالوا: لا ينبغي للحمس أن يقطوا الأقط ولا يسلوا السمن وهم حرم، ولا يدخلوا بيتا من شعر ولا يستظلوا إن استظلوا إلا في بيوت الأدم ما كانوا حرما. ثم رفعوا في ذلك فقالوا: لا ينبغي لأهل الحل أن يأكلوا من طعام جاءوا به من الحل إلى الحرم إذا جاءوا حجاجا أو عمارا، ولا يطوفوا بالبيت إذا قدموا أول طوافهم إلا في ثياب الحمس، فإن لم يجدوا شيئا طافوا بالبيت عراة. فإن تكرم منهم متكرم من رجل أو امرأة ولم يجد ثياب أحمس وطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل ألقاها إذا فرغ من طوافه ولم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا أحد غيره. فكانت العرب تسمي تلك الثياب"اللقي"فحملوا على ذلك العرب فدانت به. أما الرجال فيطوفون عراة، وأما النساء فتضع المرأة ثيابها كلها إلا درعا مفرجا ثم تطوف فيه، فقالت امرأة من العرب:
اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله
فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} يعني قريشا والعرب،وأنزل فيما حرموا على الناس من طعامهم ولبوسهم عند البيت {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} إلى قوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ} الآية.