بساعير، وأمر لله موسى أن لا يؤذيهم، وعلى هذا فيكون ذكر الجبال الثلاثة حقا: جبل حراء الذي ليس حول مكة أعلى منه وفيه كان نزول أول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وحوله من الجبال جبال كثيرة حتى قد قيل إن بمكة اثني عشر ألف جبل، وذلك المكان يسمى برية فاران إلى هذا اليوم، والبرية التي بين مكة وطور سيناء برية فاران، ولا يمكن أن أحدا بعد المسيح نزل عليه كتاب في شيء من تلك الأرض ولا بعث نبي، فعلم أنه ليس المراد باستعلانه من جبال فاران إلا إرسال محمد صلى الله عليه وسلم.
وهو سبحانه ذكر هذا في التوراة على الترتيب الزماني، فذكر إنزال التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن، وهذه الكتب نور الله وهداه، وقال في الأول: جاء وظهر، وفي الثاني أشرق، وفي الثالث استعلن، فكان مجيء التوراة مثل طلوع الفجر أو ما هو أظهر من ذلك، ونزول الإنجيل مثل إشراق الشمس زاد به النور والهدى، وأما نزول القرآن فهو بمنزلة ظهور الشمس في السماء ولهذا قال"واستعلن من جبال فاران"فإن محمدا صلى الله عليه وسلم ظهر به نور الله وهداه في مشرق الأرض ومغربها أظهر مما ظهر بالكتابين المتقدمين كما يظهر نور الشمس إذا استعلت في مشارق الأرض ومغاربها ولهذا سماه الله {سِرَاجًا مُنِيرًا} وسمى الشمس {سِرَاجًا وَهَّاجًا} ، والخلق يحتاجون إلى السراج المنير أعظم من حاجتهم إلى السراج الوهاج؛ فإن السراج الوهاج يحتاجون إليه في وقت دون وقت، وأما السراج المنير فيحتاجون إليه في كل وقت وفي كل مكان، ليلا ونهارا سرا وعلانية. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"زويت لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها"وهذه الأماكن الثلاثة أقسم الله بها في القرآن في قوله تعالى: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} فأقسم بالتين والزيتون وهو الأرض المقدسة التي نبت فيها ذلك ومنها بعث المسيح وأنزل عليه الإنجيل، وأقسم بطور سينين، وهو الجبل الذي كلم الله فيه موسى وناداه من واديه الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة، وأقسم بالبلد الأمين وهي مكة، وهو البلد الذي أسكن فيه إبراهيم ابنه إسماعيل وأمه. فقوله تعالى {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} الآية إقسام منه تعالى بالأمكنة الشريفة المعظمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه وأنزل فيها الكتب الثلاثة التوراة والإنجيل والقرآن كما ذكر الثلاثة في التوراة