قد يظن ظان أن هذه القراءة لا يمكن تعميمها على كل نص، وحتى تتأكد أنها أفضل القراءات فتعال لتراها جلية على أعظم نص في الوجود، وهو كتاب الله تعالى، ليكشف لك القول قائله قبل أن يكشف لك موضوع القول، وهذا التطبيق مراده أن تفهم الإنسان داخل النص، بحيث علمت الرب داخل النص الذي تكلمه، وهي عنوان الإعجاز كما سترى، فمن باب الفهم أن تعم هذا المفهوم.
مفهوم الإعجاز الذي أخضع العربي لحقيقة ربانية النص القرآني تكلم فيها الكثيرون، ولست بمتعصّب على أي قول؛ فإن كل ما قيل فيه هو محاولة لإثبات عظمة النص، حتى مفهوم"الصرفة"كما قال بعض المعتزلة مع خطئه ينطوي على الاعتراف بقدسية النص، فهو نص معصوم عصمة كونية، وهذا من لوازم قولهم بأن القرآن مخلوق، فالنص كوني:"كن فيكون"، وعصمته كونية:"أمر كوني: لا تفعلوا"، وهو اعتراف بالخصوصية والقدسية.
الإعجاز مصدره عجز المقابل أن يأتي بمثله، وهنا مجال التحدي هو"البيان"؛ أي الإبانة عن ننفس قائله، الإبانة الصادقة والتي تدوم ولا تتخلف، لأن الكذوب لا بد أن ينسى مهما كان ذكيًّا، وتحذير العرب للكاذبين:"إن كنت كذوبًا فكن ذَكورًا"لن ينفع أبدًا.
إذًا القرآن إعجاز بياني، وقبل أن نخوض في عظمة البيان من جهة موضوعه فنراه معجزًا، وقبل أن نخوض في نظم البيان فنراه معجزًا، علينا أن نخوض في بيان الكلام عن قائله؛ أي كشف قائله لا من حيث قوله:"أنا"، ولكن من حيث أن البيان إبانة عن النفس حتى لو تحدث عن غيره.
هذا البيان نزل على قوم يعظمون الكلام من جهتين؛ من جهة قدرة البيان على الوصف، وهو منطوٍ على الصدق والمطابقة بين الواقع والنص، ومن جهة قدرة البيان على المبالغة مدحًا وذمًا وفخرًا ورثاءً، وهذا لا يهمهم فيها المطابقة؛ لأنهم يتعاملون معه تعامل الفنان، وهنا لا بد من التجاوز، فالموضوع ذهني ولا يمكن فيه الخداع لأنه يحمل عنوان المتعة فقط.
عندما جاءهم القرآن رأوا في داخل النص عظمة القائل، عظمة لا يحسونها في داخل نص إنساني مهما صدق أو بالغ في تعظيم نفسه، عظمة أرهبتهم وذهلتهم وأخضعتهم؛ إذ النص يبين -يكشف- عن نفسٍ عظيمة، وربنا له نفس كما قال عيسى -عليه السلام-: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} .
نفس لا يعتريها الضعف قط، لا في ترهيبها ولا في ترغيبها، ولا في حال رحمتها ولا في حال عقوبتها.
نفس تنسب كل شيء لها نسبة الخلق والحاجة والإمداد والإعانة.
نفس تأمر غيرها أمر السيد، والله هو السيد لعبيده.
نفس تعلن استغناءها عن الجميع وحاجة الجميع إليها.