الصفحة 10 من 171

ليس عجيبًا أن تكون أول كلمة تكلمها الرب -سبحانه وتعالى- في آخر كتاب أنزله هاديًا للبشرية، ومهيمنًا على كل كلام قاله سبحانه من قبل هي كلمة {اقرأ} .

أمر رباني، وهو أول أمر، وبالتالي هو الأعظم والأجلّ والأفضل، وإذ هي أول كلمة؛ فهي مفتاح كل خير وباب كل هداية، فلا سعادة إلا بالعلم، ولا علم إلا بالقراءة، ولذلك جعل الله إكرامه لعبيده بالقراءة حين قال: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} .

ومن تلك الإشارات البينة في أول آيات أُنزلت على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مع الأمر بالقراءة هي:

1 - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} ؛ فالقراءة خادمة في ذاتها لعظمة الرب وأسمائه وصفاته، ولها منهج وأسلوب لتؤدي غرضها، وخروجها عن هذا المنهج يجعلها سبيلًا لضد مقاصدها العظيمة، وإنه لغني عن القول أن قوله {بِاسْمِ رَبِّكَ} أعظم من أن يكون محصورًا معناه بقول القارئ أو الكاتب حيث يشرع بعمله:"بسم الله الرحمن الرحيم"، وإن قوله سبحانه: {رَبِّكَ} ليشير أن القراءة الأولى هي قراءة الحقيقة الوجودية الأولى -وهي الخلق-، فالرب هو الخالق سبحانه، وهذا هو ركن الربوبية الأولى والذي جعل له صفة التألُّه كما قال سبحانه: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} .

2 -ولذلك قال سبحانه: {رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} ؛ فهذه قراءة للخلق ونشأته من خلال هذا المعنيّ بالخطاب -وهو الإنسان وأَوّليته-، فهي قراءة للأوّليات والتي تقتضي بعد ذلك قراءة ما يليها.

3 -قوله سبحانه: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ} ؛ فإن القراءة تقتضي وجود المقروء، والمقروء مكتوب وآلة كتابته القلم، وهو أول ما خلق الله تعالى كما يرجّحه كثير من العلماء استشهادًا بالحديث (أوّلُ ما خلق الله القلم) ، وقد كتب الله فيه علم ما سيخلق قبل خلقه بخمسين ألف سنة -كما في الحديث الصحيح-، وقد أقسم الله سبحانه بالقلم وما يسطرون فيه، والله تعالى لا يُقسم إلا بعظيم تنويهًا لعظمة المُقسَم به، كما أقسم بالسماء وبروجها والشمس وضحاها والقمر والنهار، وهذا يدل على عظمة القلم وقيمته، ويدل على عظمة أمر الكتابة -وهو ما يسطر بالقلم-.

فأساس العلم هو الكتاب الذي لا نفع للقلم إلا بوجوده.

والقرآن من القراءة -في وجه من الوجوه-، وهو الكتاب كما قال سبحانه: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} ، وهذا دليل على أن جمع القرآن في كتاب كما فعل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- دليله النّص قبل كل دليل آخر يختلف الناس فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت