الصفحة 142 من 171

منهاج المؤلفين ومقاصدهم: مفاتيح الكتب

مضى الأوائل على سُنّة عندهم كانت حميدة، هي معيار اختبار القارئ من قبل الكاتب، نعم؛ الكاتب يختبر القارئ ولا تعجب، وهي معيار العلماء، في فرادة الكاتب وإبداعه.

هذه السنة هي قذف الكتب كاللغز بلا مفتاح، ورمي الجمل والقواعد والحكم من غير بيان المكونات وطريقة الصنع، هي سنة العلم وهي روح الكتابة والقول عندهم، حتى صرنا إلى زمان لا يُتَّهم الحكماء من البشر بالاضطراب والعبثية فقط، بل إن سعار هذا الاتهام يُردِّده المأفونون ضد الحكيم المطلَق والمبدِع الكامل وهو الله تعالى؛ إنه سعار الجهل والكفران؛ كفر الاعتراض والإنكار الذي قال عنه - صلى الله عليه وسلم: (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) ، فمنهج الجهل لبّه السّعار الذي يعض الرفيق كما يعض المحسن، والسبب هو السُّعار والسُّعار فقط.

على الرغم من محاولة إثبات البعض أن إعجام الحروف كتابة كان قديمًا إلا أن المشهور هو عدم الإعجام -أي تنقيط الحروف تمييزًا لها عن المهمل-، ولم يكن لديهم الترقيم، ولا كتابة الحركات النَّحوية كالفتحة والضمة والكسرة، لأن كتابتها هي أشبه برجل أرسل صورة لأهله وهو فوق الحمار وكتب تحتها: أنا الراكب والحمار تحتي! وهوا اتهام صريح أن أهله لا يُفرِّقون بينه وبين الحمار، وهكذا لو وجدت هذه في زمان العلم، وإنما تحدث هذه وتشيع حين ينتشر الجهل ويُخاف الَّلبس من قِبل قارئ لا يفهم حتى يؤخذ بيده كالضرير تمامًا لا بصر عنده بشيء.

إن كل محاولة جرت في تاريخنا لإنشاء قواعد وأصول لعلم من العلوم إنما مبعثها -إجماعًا- هو خفاء هذه الأصول في نفوس الناس، إذ يزداد الخطأ وينتشر الخلاف، وحينها يضطر أهل العلم لإظهار هذه القواعد حتى ترفع الخلاف وتقضي على الأخطاء ما استطاعت سبيلًا.

كانت القواعد والأصول ذوقًا علميًا يتغذَّاه المرء مع تغذيته للعلم نفسه، ويرشفه روحًا تُغلغل كل مفردة يحفظها أو يسمعها، ولا يؤذن للمرء أن يقول إلا بعد أن يتأكد سلطان العلم من خلال مرجعية العلماء الحاضرة -من خلال سلطان العلم فقط- أنه بلغ مبلغ الإدراك لهذه القواعد.

الإفتاء لم يكن يقوم على السماع وكثرته ولا على الحفظ ومرتبته فقط، بل لم يكن يُسمح للرجل أن يفتي حتى يتأكد أهل السلطان من العلماء أنه استجمع هذه الروح وبلغ هذه الذائقة بلوغًا كافيًا للإفتاء.

تصنيفات المحدِّثين لم يحكم عليها العلماء من خلال كثرة المرويات والشيوخ فقط، بل ليس هذا هو المعيار الأول ولا الثاني في الحكم، إنما الحكم على المصنفات من خلال كمية استجماع المصنف لهذا السر الخفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت