الصفحة 4 من 171

إن الحمد لله الذي خلق فسوّى، وعلم فهدى، حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلى الله على المبعوث بالسيف الحامي والكتاب الهادي محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين، وعلى صحبه الغرِّ الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

لقد منّ الله عليَّ بكرامة الابتلاء في سبيله، وما زلتُ أَرفل بها وأنا أكتب هذه الكلمات مع إخوة طيبِي الخُلق والدِّين، نلتقي فيها لحظاتٍ كحَسواتِ الطائر ثم يأوي كل واحد منا إلى غرفة عارية من كل شيء، هي ولا شك أوسع من القبر، وعيش آلاف السنين فيها ولا ذِلّة غمسة عذاب في جهنم.

مع هذه الغرفة العارية كان الامتحان لي في رهاني الطويل على"القراءة"وهل هي نافعة بعد فقد أداتها من الكتب؛ إذ اعتدت لزمن طويل أن أعيش بينها، أتأملها، أداعب أوراقها، أحل عنها ثياب العذار، وأكشف معها ستر الغائبين، وأَخلص في ثناياها إلى شهقات المحبين، ودموع الجبابرة الذاهبين، وأبني مع حروفها نَفْسًا عصيّة عليَّ في البناء، وأقوّم بها عقلي الذي دمرته الصور الخادعة.

مع الكتب عشتُ شقيًا وطبول الخداع تصم أذني لتصرفني عن حقائق ما أعلم، وتعبت مع الحرف إذ تعاملت معه تعامل المحارب مع السيف الصقيل، فطاحنت، وأعترف أني طحنت كثيرًا وما زلت، ولا أدري هل أصبتُ من غيري مَقتلًا أم لا، إلا أنني سمعت لهم بعض أنين خلص إليّ خلال ضحكهم ورقصهم.

كانت أحبُّ أوضاع النوم عندي -شهد الله- أن أحشر نفسي بين صفوف الكتب، أضيقها عليَّ حتى إذا نمت كانت في عيني صورتها وتحت يدي بشرتها الفاتنة، لا أكتفي منها بالنظر بل بكلّي، كما لم يكتفِ النواسي بلذة مذاق شرابه عن عند سماع اسمه:

ألا فاسقني خمرًا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرًا إن أمكن الجهرُ

مع الكتب كنت أعيد الظامئين إلى مواردها، إذ أَضن أن يرد الناس السراب دونها، فإن سألني سائل قلت له: هنا مبتغاك، انظر، اقرأ، لتعرف الفرق بين ما يغريك من صور خادعة وبين ما هو نهر يفيض بالحياة.

كان أول الفرح في حياتي أن سمعني أحدهم فقال: أنت صناعة الرافعي، فطارت نفسي، وكان أولَّ ما فهمت كيف صنعتني القراءة.

وكان ثاني الفرح أن أرسل أحدهم لي رسالة وقال: أنت رجل ولا بدّ صناعة ابن حزم، فطارت نفسي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت