الصفحة 112 من 171

هل القراءة كالحياء لا تأتي إلا بخير -كما قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ أم أنها تنطوي على ما ينبغي الحذر منه؟!

ما دامت القراءة قابلًا وفاعلًا -أي مشاركة ومفاعلة-؛ فلا بدّ في أحيان من عدم وقوع الحافر على الحافر، وحينها قد يقع الانزلاق، كما يقع في البصر من مشكلات كقِصره وطوله وحَوله، وهذه الأمراض لم تكن سببًا في يوم من الأيام بأن تجعل طبيبًا يحذر الإنسان المصاب من النظر، فالمطلوب هو وضع الإشارات والتنبيهات لا إيقاف الحركة أو إضعافها، والقارئ بعد رحلة طويلة من القراءة سيكتشف عِللًا لديه من بعض القراءات لا تتعلق بالفكر فقط ولكن في نفسه أو في حكمه على الكتب أو الأحداث، وهذه العلل (الخدع) لا تنتهي، وسأحاول ذكر بعضها نصحًا لصاحب الهمة، وسيرى أن ما سيُذكر هنا من خِدع لا ينتظمها سبب واحد هو"فعل القراءة"، لكن أجواؤها كذلك، وأما أسبابها فمتعددة منها ما تعود لنفسية القارئ أو لنوعية أو لنوع الكتاب أو لأسباب أخرى خارجة عن القارئ والكتاب.

كان مما ذكره ميخائيل نعيمة في كتابه عن جبران خليل جبران، وكتاب ميخائيل عن جبران صنع ضجة عند محبي جبران؛ لأن ميخائيل كتب عن حقيقة جبران، عن حياته، مشاعره، ضعفه. ومحبوه يعظمونه تعظيمًا أوصله لدرجة القداسة في نفوسهم حتى إنهم كتبوا على قبره كلمة:"النبي"، وهي إحدى عناوين كتبه، فجاء ميخائيل وكشف العَذار وأبان المستور، والحق أن ميخائيل أراد ذلك؛ فقد تخفى تحت ستار الموضوعية والمعرفة لهدم صنم جبران الوهمي. وجبران إنسان حالم يعيش الحلم أكثر من الحقيقة في حياته، وكتبه ولا شك ظلال نفسيته، وفيها تشقيقات معانٍ جميلة. أما ميخائيل نعيمة فله معانٍ جميلة وجديدة في كتبه ومقالاته، ولكن ساءه في كتابته عن نفسه كما في (سبعون) وعن غيره كما كتب عن جبران وإيليا أبي ماضي أنه ينسب لنفسه الكثير من التأثير على الحركة الأدبية والشعرية خاصة أنه الوحيد بين أقرانه أصحاب"الرابطة القلميَّة"الذي درس الأدب ومذاهبه في روسيا، وقد حاول جاهدًا أن يُنظر له كفيلسوف منقطع عن الحياة في ضيعته يعاني مسائل الحياة والأفكار، ولم يُفلح.

ويؤخذ على هؤلاء جميعًا الأخطاء النحوية في كتبهم، وهم يرون لأنفسهم الحق في ذلك، ويبررونها بطريقة بشعة غير مقبولة، فلما قال جبران في قصيدته:"هل تحممت بعطر ..."، فعابوها عليه، فطفق نعيمة يقول:"كيف لا أقبل كلمة قالها رجل أعرفه اسمه جبران وأقبل كلمة قالها رجل أعرابي لا أعرفه؟!"، عجائب ولا شك!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت