الصفحة 130 من 171

النص الذي يكتبه الإنسان يكشف ويفضح كاتبه لا محالة، لا يكشف عقله ومستواه العلمي فحسب، لكن النص يتغلغل في خلجات نفسه وخطرات قلبه والتفاتات عينه، ويبصر ذلك كله بل وأكثر منه، وقيمة القراءة الحقيقية هي في اكتشاف هذا، ومتعتها كذلك؛ فهي تحضر لك إنسانًا لتبحر في فيه، في غرائبه التي يحاول سترها، وإخفاقاته التي يتملّص منها، وغروره الذي يتدثر به، وأشواقه التي تقلقه، فيفضحه النص وهو في مرات كثيرة لا يدري، فالإنسان رغم أنفه مخبوء تحت لسانه.

القراءة بهذا المفهوم عملية كشف جريمة قام بها صاحبها، والذي هو نفسه محقق جنائي يعلم قدرات من سيلاحقه، فخطط لها بذكاء وحرص شديدين على ألا يترك وراءه أي دليل يكشف عنه، وأنت بمهارتك تُنقب وتبحث وتحلل وتربط، وتفترض بسبر وتقسيم عميقين لنتكشف المخبوء، فالقراءة هنا ليست معرفة ما يريد الكاتب بل كشف ما يريد ستره وإخفاءه، والقراءة بهذا المفهوم قراءة للكاتب لا الكتاب، وجمال الكتاب وروعته في انطوائه على هذه الأسرار الخفية العميقة، والتي تكون عادة في كتب الصُّناع المهرة والخبراء طويلًا بسر الكلمة وروعتها وظلالها التي يسميها أهل الأصول بـ"الظاهر"تقريبًا للمراد، والتي سماها القرآن"لحن القول"، لكن بمعناه الشامل لا الجانب السلبي فقط، واللحن سواء قلنا هو الخطأ حيث يكبو المستتر ولا بد ليكشف نفسه، أو اللحن بمعناه الآخر وهو الرَّنة المرافقة للقول، والتي تكشف حقيقته المستورة، كما يعرف الصَّراف حقيقة النقد برنَّته.

هذه القراءة هي أعظم ما تكون عند العربي الجاهلي، وحقيقة النقد عند حكماء الكلمة فيهم هو ممارسة هذا الكشف، والذي هو في جانبه الآخر حكم على القائل في استخدام اللغة لتحقيق هذا الهدف، والجلوس على هذا الجانب عند مؤرخي النقد في زماننا، هذا الذي جعلهم يلتفتون إليها دون سواها، حيث ظنوا أن النقد كان قاصرًا على بنية اللفظ وقدرة قائله على المبالغة أو الوصف فقط.

هذه القراءة لا تعني التعامل مع اللغة كرموز؛ لأن الكتابة الرمزية في الحقيقة هي قراءة ترفع عنوان التحدي، وقد تبدو صعبة للوهلة الأولى، لكن صاحبها مرغم يتعمد ترك آثار جريمته، فهي كتابة لقصة جريمة لا صناعة جريمة حقيقية، وبعد عدة ممارسات تتحول إلى طفولة يستنكف عنها الكبار.

وهي ليست قراءة تأويلية -بمعناه الاصطلاحي-، لأن التأويل تحريف غير حميد، وإسقاط للنفس على النص، وهذا إفساد لأمانة النص وإزالة للفوارق حيث تختزل الكل في نفسك، وهو الذي قال عنه السلف:"قياس الغائب على الشاهد"بمفهومه الشمولي، إذ أن الإسقاط يجعل كل كاتب هو أنت، وهي نرجسية مدمرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت