وحتى الذين قالوا في وقت من الأوقات:"العقل يُسلِّم بصواب النقل ثم يستقيل"، هذه عليها الكثير من الكلام، وعائشة -رضي الله عنها- لا تقبل هذا، منهجها لا يقبل هذا؛ هي تُناقش الصحابة -رضي الله عنهم- وتستدرك عليهم بالرواية؛ أي بالنقل، وبالعقل كذلك (منهج) ، ولذلك التاريخ نقرؤه بعين الناظر المحقق ونقرؤه بعين المؤمن.
وهنا ندخل لقضية مهمة؛ وهي أن القراءة عندنا هي التي تصنع المثال وهو ضرورة التربية؛ فمن أضعف وسائل التربية: الموعظة، لا بد أن تتشارك الموعظة مع شيء مهم هو ركن من أركان التربية وهو وجود المثال، التربية بالمثال هي أعظم مناهج التربية، أن تقول له: {فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} ، أن ترفع له المثال وتقول: هكذا تكون، حتى في الإيمان قال: {فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا} .
ولذلك المثال في التربية مهم جدًا، وحرص القرآن عليه مهم جدًا، والرجال وإن كانوا من غير الأنبياء غير مقدَّسين ولا عصمة لهم، ولكنهم يُصبحون في وقت من الأوقات جزءًا من المنهج، وتصبح محبتهم جزءًا من المنهج، وكما أن القرآن ذكر عن إبراهيم -عليه السلام- في براءته من المشركين: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} ، قال:"أف"، قبل أن يقول: لمنهجكم، قبل أن يقول: لدينكم، قال: {أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} ، وقال: {إِنَّا بُرَأَىَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ} ، فذكر الرجل قبل المنهج، فكذلك من جهةٍ مُقابلة كما أن البراءة من رجال منهج الباطل قبل الباطل هو منهج قرآني؛ كذلك اعتبار الرجال الصالحين في المنهج، كذلك هم من المنهج.
وهذه قضية مهمة وهي قضية أصولية وقضية من ديننا، ولذلك نحن في القراءة علينا ألّا نجعل القراءة مجرد ثقافة تنمو بها عقولنا، ولكن القراءة هي تربية ومنها إحضار المثال دائمًا، فيكون قصدك أن تتعلم من أجل أن تُرقِّي مراتبك، ولذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما رغَّبنا بالقرآن قال: (مَثَلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة) ؛ طيّب في نفسه لكن لا رائحة له، لا يصنع المثال لا يصنع النموذج، لا يصلح للإمامة، لا ينتقل خيره للناس؛ لأن القرآن هو مادة حمل الخير للناس، ولمّا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (ومثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأُترُجّة ريحها طيب وطعمها طيب) ، فذكر فضلًا داخليًا فيه وذكر فضلًا خارجيًا فيه؛ إذًا المثال مهم جدًا في ديننا.
وعندما يسأل أحد: لماذا تجعلون أبا بكر وعمر من الدين؟ ذلك لأن هؤلاء حملة الدين، فإذا سقطوا سقط الدين.