أعداء القراءة وعوائقها
"أعداؤها هم أعداءُ فوائدها"
في التاريخ الإسلامي ومجتمعاته -وهو ما يعنينا هنا ليس غير- العدو الأكبر للقراءة هم الزاعمون كذبًا وزورًا بإمكانية حصول المعرفة عن طريق آخر سوى القراءة، وأئمتهم في ذلك وكبار دهاقنتهم هم الصوفيّة والخرافيُّون؛ فللعلم عند هؤلاء طريق آخر هو الفتوح الغيبية على الإنسان إنْ ترقَّت نفسه في معارج الغيب عن طريق الذكر والصوم والخلوة، حينها تنكشف له الحقائق المعرفية مشاهدة حقيقية تغنيه عن تصورها الذهني الذي تصنعه القراءة.
هذه الحالة المَرَضيَّة لها تجلٍّ أعلى عند هؤلاء الخرافيين، ولكن لها تداعيات عند آخرين ربما يعلنون صبح مساء أنهم أعداء التصوف والصوفيين، وربما تتقنَّع هذه العداوة بغطاء شرعي تدفع السامع للتسليم وعدم الاعتراض.
شيوع الجهل وعدم المعرفة وضيق الأفق الذهني وفساد التصورات بيئةٌ تستفيد منها مجموعات متعددة ترى فيها مجالًا خصبًا لقنص الغافلين واتخاذهم عبيدًا وسُخرة لتنفيذ تألُّههم الباطل عليهم، وبالتالي يخوفونهم دومًا من النور ويرهبونهم من العلم وينشرون الرعب من القراءة، وإني لا أنسى قط أن أمي -حفظها الله ورعاها ورفع درجتها في الصالحين- كانت تؤكِّد لي في طفولتي ثم فتوَّتي حين تراني مُنكبًّا على كتاب وقتًا طويلًا أن هذه القراءة هي التي تجلب الجنون، وأن كثرتها هي طريق ضياع العقل ولا شك، ولم تختلف الحالة عند بعض من سار لإعادة الدين في حياة الأمة حين ردَّد أمامي"بطريقة أكثر رقيًا!!"أن مصيبة الأمة في هذه الكتب، وأن كثرتها هو الذي خلط الأمور وأفسد الذهن وشتت الوحدة، ولذلك لم أعجب حين طلع بعضهم تحت ستار العلم والفقه والورع إلى اتهام الوعي السياسي والقراءة فيه أنه بدعة حادثة تضر دين الرجل وتؤذي طهره وتشوش عليه مراتب السلوك العلمي والفقهي، فهذه وإن بدت مختلفة المراتب؛ إلا أنها حقيقة واحدة -وهي العِداء للكتاب والقراءة-، وإن"العالِمَ!!"الذي يحرِّم القراءة في باب من أبواب العلم لم يختلف قط في جوهر رؤاه عن عاميّ ساذج لا يحسن قراءة الحروف، وأمي وإن أرادت الحفاظ على عقل ابنها لرِقَّتها ورحمتها؛ فإن غيرها أراد الحفاظ على كرسي طاغوت من أن يبصر الناس وحشيته ورجسه وخبثه وظلمه، ومبعث الأمرين هو الجهل ولا شك.
هذه العداوة تشكلت في أمتنا من خلال منهج له جذوره التاريخية، رعاه سدنة ودعاة وقنّن له مفتون، وحافظت عليه مؤسسات متعددة لكنّها متواطئة متعاونة، وخدمته عوامل مساعدة كالدول والسلطنات العجمية والتعرب الذي شاع في الأمة في وقت من الأوقات متغافلة عن النهي النبوي الشديد عن التعرب الذي جعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبيرة من الكبائر.