ومن الناحية البدنية البحتة فإن الوقوف أمام أي لوحة والنظر فيها لفهمها هو عين الجلوس مع كتاب والنظر فيه، ولذلك وُجد في البشر من كتب حروفه على شكل رموز وهيئات كما هو شأن الكتابة"الهيروغلوفية"المصرية القديمة، والصينية وتسمى بـ"الايديوغرام"، وكل هذا يتم من خلال أمرين: 1 - الرؤية، 2 - ثم المعالجة.
هذا مع الاعتراف أن القراءة غير التفكير، وإن كان ما أعنيه هنا هو المزج بينهما تحت كلمة"القراءة"الجميلة الرائعة، فإن التفكير مهما كان فيه من تخصص زائد عن مفهوم القراءة فإنه يكون ولا شك تابعًا لهذا المفهوم وأثرًا من آثاره ورافدًا له بعد ذلك، والقراءة كذلك فيها تخصص زائد عن التفكير.
وأما الإجابة عن ماهية القراءة من جهة بدنية وتعريفها وماهية حدوثها في الانسان؛ فإني أُخبر قارئي هذه الكلمات: أن كل ما قيل حول هذا الأمر انتهى إلى ما يعرفه الكثير من الناس، ثم وقفت كلمات الباحثين على شفير العجز المنبئ أن {الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} .
إنَّ الآيات الأولى التي منَّ الله فيها على عبيده بأمر القراءة ختمها ربنا بقوله: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} ؛ فمقصود القراءة هو حصول العلم، فإن لم يحصل؛ فلا قراءة، إنما هو ارتعاش وفقط، وهذا مما لا يُمدح به الإنسان في هذا الباب قط [1] .
فالقراءة مفهوم شامل لممارسات بدنيَّة وعقليَّة ونفسيَّة؛ فهي حوار هادئ بين الإنسان والكتاب، وإنتاج وتشكيل لإبداع جديد، وتذكُّر لعلوم ومتع ذهنية سابقة، ورحلة ذهنية لتأويل الحرف ونقله إلى صور متخيلة، وليس فقط تلاوة للفظ أو معرفة جديدة.
والقراءة مدارك ومراتب معرفية متعددة الدرجات، فكلما ارتقى الإنسان كلما كانت قراءته أمتع وأرفع وأوضح، ولهذا فالقراءة ليست حالة تلقي فحسب، لكنها حالة تفاعل بين المقروء والقارئ، وهي مع ذلك حالة وجدانية يمكن بها حصول الحب والرضى كما يمكن حصول الكره والغضب، سواء بين القارئ والكتاب أو بين القارئ وعالم آخر صنفه هذا الكتاب وقدمه لقارئه.
(1) ذِكر الله تعالى باللسان دون القلب له أجره لقوله - صلى الله عليه وسلم: (أنا مع عبدي ما تحركت بي شفتاه) ، وهو قول الكثير من العلماء والله أعلم، وهذا له باب آخر غير ما نحن فيه.