الصفحة 43 من 171

سُئل الإمام أحمد: هل طلبتم الحديث لله؟ فقال:"هذا عزيز، إنما هو شيء أحببناه".

كذلك إن كون القراءة عبادة، لأن فيها رقيًا لنفس الإنسان وعقله وما يجعله أقرب لمعرفة ربه ونفسه وحياته؛ فإنها كذلك متعة هي أجلّ متع الحياة وأنبلها شرفًا وقدرًا وأثرًا، ولم يكن أبو الطيب مجازفًا الحقيقية وهو يقول:"وخير جليس في الزمان كتاب"، وكان أستاذنا نايف مسودة يستهزئ بهذا العصر ويقول:"وخير جليس في الزمان دينار".

استمع إلى صوت جار الله محمود الزمخشري وهو يرسل روحه إلى أجمل الآفاق وأرفع المتع يحلِّق فيها مُعتدًّا متساميًا:

سَهَرِي لِتَنْقِيحِ العُلُومِ أَلَذُّ لي ... مِنْ وَصْلِ غَانِيةً وَطيبِ عِنَاقِ

وتَمايُلي طَرَبًا لحلِّ عويصةً ... أَحْلَى وأَشْهَى مِنْ مُدَامَةِ سَاقِي

وصَرِيرُ أقلامي على أوراقِهَا ... أغلى منَ الدَّوكاةِ والعُشَّاقِ

وَأَلَذُّ مِنْ نَقْرِ الفتاة لِدُفِّهَا ... نَقْري لِنَقلِ الرَّملَ عن أوراقي

أَأَبيتُ سَهْرانَ الدُّجى وتبيتهُ نَوْمًا ... وتريدُ بَعْدَ ذَاكَ لِحَاقِي؟

القراءة رحلة يبدأ بها القارئ بأوضاع مختلفة:

-بعض هذه الرحلات تبدأ حين يشتهي المرء كتابًا يسمع به، وتقتحمك أخباره قبله، فتتشوف إليه، حينها تكتنفك الرغبة وتسكن فيك، أين هو وكيف الحصول عليه؟! يشوقك الوصول إليه، وهذا الشوق يسكن في نفسك بأثر ما حتى بعد الحصول عليه. ومما يقع لي من عجائب هذا الشوق أنني بعد الحصول على الكتاب تبقى رغبة الحصول عليه ساكنه فيّ، فكم من كتاب طال شوقي له ثم اقتنيته ومع ذلك ما إن أراه مرة أخرى حتى أقتنيه مرة أخرى غير ملتفت أنه عندي وأني قرأته، فكتاب (النُّكت على ابن الصلاح) لابن حجر العسقلاني طال شوقي له لأنه طُبع أولًا برعاية مؤسسة ووزع مجانًا، ومثل هذه الكتب في مجتمعاتنا لا تصلها إلا أصحاب الأيدي الطويلة والصِّلات الواسعة ولم أكن منهم يومًا بحمد الله تعالى، ثم اقتنيته وما إن رأيته مرة أخرى حتى اقتنيته، حتى كانت أربع نسخ، ولولا تقييد نفسي لكان العدد أكبر، وهذه حالة مطردة تجعل هذه الرحلة المبتَدَأة بهذا الشوق صاحبة ذوق خاص وطعم مميز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت