الصفحة 44 من 171

-بعض آخر من هذه الرحلات تدخلها اقتحامًا، تجد نفسك في داخلها، لا تعرف ماذا سيقابلك، تتلمس كل حرف فأنت لا تعرف الكاتب ولا الكتاب، الكل مغلق أمامك، فتبدأ التحسس بوعي متحفز مستطلع مستكشف، وكم هي فحصتك أن تكون هذه القراءة فاتحة أخرى لقراءات تالية، تكون أنت سببًا للتعريف بها لغيرك، أو أن ما وجدته عظيمًا رأيت بعد ذلك أنك التقيت بهذا الحكم مع أصحاب القراءات العالمة الواعية.

وأنا أسوق لك ثلاث أمثلة حصلت مع كاتب هذه الكلمات كشفًا لهذا النوع من الرحلة:

الأول: قد تعجبت أنني لم أسمع قط في بيئتي باسم ابن تيمية أو ابن القيم، فلست تلميذ شيوخ ولا خريج مدرسة دينية، وليست بيئتي من العلم الشرعي في شيء، وتشجع الفتى البالغ السابعة عشر من عمره ليدخل مكتبة لبيع الكتب بجانب المسجد الحسيني في عمان، ووقع في يده كتاب (مفتاح دار السعادة) لابن القيم، وما زال يذكر لون غلافه الرمادي وأوراقه الثخينة الصفراء، وساوم عليه صاحب المكتبة والذي قال له كلمة واحدة:"كتاب مفيد". لكن لم يعرف الفتى يومها أن صاحب المكتبة لا يرحم في الأسعار، ومِن هذا الكتاب اكتشف عالَم ابن القيم التربوي الرائع، لا يعنيه منه سوى الروح وجمالها وتربيتها وصقلها، ومن خلاله سمع بكلمة تتردد في طيات كتابه"شيخنا"فمن هو هذا الشيخ؟! إنه ابن تيمية.

فما إن تجمع بعض المال حتى ذهب لعين المكتبة إياها وسأل عن كتب لهذا الشيخ، وكان أول كتاب: (الفتاوى الكبرى) -وليس (مجموع الفتاوى) - ومن ذلك الأمر بدأت الرحلة، رحلة من أجمل وأروع وأمتع الرحلات، ولم تنتهِ إلى يومي هذا، لم يحققها شيء يستحق الفضل إلا القراءة ونهم الاطلاع والمعرفة، رافقها وتواصل معها شعور بالفرح أن هذه الفتى عرف لوحده روعة الجواهر.

الثاني: يُقلِّب الفتى كتابًا في مكتبة صديقٍ هبطت عليه المكتبة مرة واحدة، وهذه لا أستطيع أن أقول إنها طريقة سيئة لكنها طريقة لها سيئاتها وتبعاتها الثقيلة، وأحزن على من وقعت معه إن كان قارئًا حقيقيًا، إذ ستكون سعادته مدفوعة الثمن غاليًا بعد ذلك، في هذه المكتبة طاب له السهر مع كتاب راقه عنوانه (أباطيل وأسمار) لمحمود شاكر، وتفجَّر الصبح وهو معه لا يؤثر عليه نومًا ولا غيره.

أي روعة هذه؟! أهي روعة العلم والثقة وإدارة الكلمة، وتنسيق الفكرة التي يخوض فيها كأنه أبوها وابن بجدتها؟!

وتواصلت الرحلة مع شيخ العربية يحيا معها وينشرها بين الناس ويشكر لها صنيعها عليه ترغيبًا لمن جهله أو رمى ببصره بعيدًا عنه، وكم كانت فرحة الفتى عظيمة مرة أخرى أنه اكتشف الجواهر بنفسه دون تذويقٍ من أحد، وكان الفضل لعبادة القراءة ونهمتها التي لا تعرف الحدود.

الثالث: الرجل الثلاثيني صار له معرفة بخبايا الكتب، وما من بلد يحل فيها إلا والمكتبات نهمته ورغبته، حتى المكتبات الخاصة، إذ في بعض المرات يكون عارفًا بمواضع الكتب فيها أكثر من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت