أصحابها، يدرك بخبرة تمرَّسها الفرق بين مكتبة الزينة والافتخار وبين المكتبة الحقيقية، بل ويعرف ما هي الكتب المحبوبة لصاحبها وما هي التي وُضعت لشيء آخر، أو وصلت إليه لسبب من الأسباب، ويقع في يديه في مكتبة تجارية كتاب صغير الحجم، وهذا أمر لا يهم هذا القارئ أبدًا، فكُتيب (الحيل النفسية) -أظن أن صاحبه نهاد درويش، فالكهل بدأ ينسى، وهو في غرفة عارية تمامًا فلا مذكِّر له-، وهو أثمن عنده من عشرات المجلدات المنفوخة ورمًا. هذا الكتاب اسمه: (عندما ترعى الذئاب الغنم) للأستاذ رفاعي سرور، ومنه وبالتحسس معه يكتشف نفسًا عالمة، ذوَّاقة، نادرة الوجود في الصف الإسلامي الذي ينتسب للسلف والسلفية، فالنص له روح أخرى فيها قواعد الأوائل وذوق جديد يلزمنا ونحتاجه في هذه الأيام، ومنه يبدأ البحث عن هذا الرجل من خلال كتبه التي تكشف الإنسان الذوَّاق البصير بما يلزم أمته يومها هذا.
إننا في وضع قلَّ فيه المرشد، وغاب عن كثير من المناطق الولي الذي يرعى هذه الغريزة الواجبة، وحينئذ لا يقال لك ماذا تقرأ، بل يقال لك: اقرأ، اقرأ؛ لتكتشف بنفسك، وستكون في خطر عظيم حين تتوقف عن القراءة، لأنك تكون أسيرًا لقيد لا تدري أَيُودي بك إلى جنة أم إلى نار، وإنه لمسكين خاسر من قرأ هذه الكلمات فبدأ بالقراءة في أول كتاب صادفه ثم كَلَّت عزيمته فكان أسير ضلال هذا الكتاب، حينها يكون سبب هلكته هو، لا لنصيحتي.
فإن قيل لك: إن الغثاء كثير، فقل: هذا هو قانون عروق الذهب المختفية المتلوية بين الصخور والأتربة في عمق الجبال والوديان.
فإن قيل لك: دع غيري يعانيها وأنا آخذ صفوًا بعد تلخيصها، فقل: فأين متعة الرحلة؟!
وتتواصل الرحلة مع الكتاب، رحلة استكشاف الحرف والكلمة والصورة، ففيه ومعه تتشكل الصور الذهنية، وتستعرض نفسها أمامك، وكلما أَعطيت الصورة فضاءً عقليًا أعطتك جمالًا وفتحت لك مجالات ومجالات، وكل صورة لا تذهب وإن أتت أختها، بل تختزن في باطنك كعالم المثال، ويبدأ تواصل الإمداد بين عقلك وعلمك وبين الكتاب، تغذيه ويغذيك حتى تكتمل رقيًا إلى درجة التفاعل ثم دخولها إلى الوجدان والأحاسيس، أحاسيس الفرح والحزن والرضا والغضب.
وفي هذه الرحلة تنشأ الحوارات الباطنة مع هذه الصور الفكرية حينًا وصور حلم اليقظة حينًا آخر، فكرًا وتجسيدًا بحسب الحرف وتمايله أمامك، حوارات في كثير من الأحيان لا تقدر عليها إلا هناك مع الحرف والكلمة.
هذه الصورة لا تخضع لها كالخاضع لمنظر جميل أو لصورة ورقيَّة أو لصور الأفلام المرئية بل هي صورة تشترك أنت في تشكيلها، وكلما ارتقت معارفك وعلومك وقراءاتك كلما كنت أكثر فنًا في الإمداد والإعانة والتشكيل، من هنا كان البيان سحرًا كما سماه حبيبي وسيدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو سحر حلال، كما قال الشاعر في وصف حديث حبيبته.