إنها رحلة تعيدك إلى طفولتك الحالمة الخالصة من النفاق والكذب والخداع، المرتفعة عن حطام النفس، التي وصلتَ إليها خلال مشاقِّ الحياة وقسوتها، فهل قرأت عما كان يبحث سيد قطب بعد أن صار ناقدًا وأديبًا وكاتبًا؟!
كان يبحث عن الصور التي كانت في طفولته وهو يسمع كلام الله تعالى، الصور الجميلة البريئة، ولما وجدها صرخ صرخة أرخميدس:"وجدتها .. وجدتها"، كما حكى ذلك في كتابه: (مشاهد القيامة في القرآن الكريم) ، وما فعل من شيء جديد سوى أن نمَّاها وكبَّرها، ثم عرضها بعلمية الأدوات التي اكتسبها في رحلته العلمية.
فهل هناك من متعة أعظم من تلك المتعة التي أحسَّها أكثرنا -وأنا منهم- في أحضان جداتنا وهُنَّ يروينَ لنا حكايا الليل؛"حديدون"و"البنت الحمرا"وغيرها، مما هي عند غيرنا تشكل البناء الأوّلي للإنسان؛ فإن عمدة بناء الطفل اليهودي خلال رحلة اليهود إلى أرض فلسطين كانت تُبنى كأُسسٍ تستعصي على كل عوامل الهدم والتَّعرية من خلال تلك الحكايا الليلية.
القراءة إحضار للحدث كلما تريده ليبعث فيك الإحساس الذي تريده؛ فحين أحتاج إلى إعادة الإنسان في داخلي لا أتردَّد في فتح (صحيح البخاري) لأقرأ أجمل وأروع وأصفى صورة إنسانية برواية الإنسان الصادق الحساس الأديب، قصة الإفك مع أمي الحبيبة عائشة بنت أبي بكر الصديق زوج سيدي وحبيبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حينها أبكي ولا بد من بدايتها إلى نهايتها، لكن دمع نهايتها مختلط ببسمات حاولت مرات أن أفرز معانيها المتعددة ففشلت.
تعالوا إليها يا قساة القلوب لتلين قلوبكم.
يأتي إليك الحديث وتقف على مِنَصَّته، لا، لا تقف على منصته، بل تدخل فيه حتى تصبح جزءًا منه تحس به، فآلامه فيك وأفراحه فيك، تبكي لبكاء صاحبه وتفرح لفرحه، فيه تحب عائشة -رضي الله عنها- حبًا تتمنى فيه أنك فديتها بنفسك ومالك وأهلك أجمعين، تحبها لطُهرها وسماحتها ورقَّتها وعفويّتها، تحبها لألمها حين تُتهم ذلك من ذئاب النفاق ومُستَغفَلين خُدِعوا ثم تابوا فتاب الله عليهم. تتألم مع هذا الحب الذي يدفع دمع الحب والتألم رغم قساوة القلب وغفلته، ثم تحبها وهي تقود معركة المرأة الجريحة فتنادي أباها العظيم وأمها الحانية:"أجيبوا عني رسول الله"، ولا مجيب ليس لجبن -عياذًا بالله-، وليس لعدم إيمانهم بقضيتها، فهي عندهم أنقى من ماء السماء، ولكن الحياة أعقد من ذلك، ليس خيطًا واحدًا ولا خيطين ولا ثلاثة، فالذي يقول لها:"يا عائشة: إنْ كنتِ قد ألممتِ بذنب فتوبي إلى الله، فإن العبد إذا أذنب ثم اعترف بذنبه فاستغفر غفر الله له"، هو زوجها والذي هو أولى بها من نفسها ومن أبيها وأمها، وهو حبيبها وهي حبيبته.
ثمَّ في أعلى درجات العقدة القصصية، وأقسى درجات الظلمة والفتنة يأتي الوحي بشمسه وإشراقه ونوره وهدايته ليكشف ويهدي ويقوِّم ويحكم ويسبغ فضلًا جديدًا على هذه النفس العظيمة، نفس أمنا