الصفحة 50 من 171

قال الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن مسعود: (اقرأ عليَّ القرآن) ، فقال له عبد الله: أقرأُهُ عليك وعليك أُنزل؟ قال - صلى الله عليه وسلم: (نعم فإني أحب أن أسمعه من غيري) .

لآلية القراءة اعتناء كآلية الكتابة، وقد تشوّف الكثيرون لطقوس الفكر محاولةً منهم الاقتراب من هؤلاء وممارسة أفعالهم؛ فإن الأجواء لها تأثير على الإنسان ونشاطاته، والفكر له شِقّان: فطري وصناعي، والكثير يحس في نفسه الاستعداد الفطري مع الرغبة الشديدة فيه فيسعى إلى تحصيل الصناعي. والحق أن الفكر لا يتلبّس الإنسان رغمًا عنه، وإن بدا أن الفكرة تبدأ كخاطرة، بل كل شيء لا بدّ مِن قَصْدِه؛ فالقصيدة ليست وحيًا ولا إلهامًا تغزو الإنسان فيخضع لها كما يتوهم البعض، بل هي تُقْصَد ولذلك سميت"قصيدة"، فليس هناك شياطين الشعر الذين يوحون لشعرائهم كما تقول الخرافة الجاهلية ورددها الناس بعدهم، فزهير بن أبي سلمى تسمى قصائده بـ"الحَوْليّات"؛ لأنه كان يُعاينها ويحبّرها ويراجعها حَوْلًا (عامًا) كاملًا، فهي صناعة تامة، ومن قرأ ما قاله الآمدي في (الموازنة) عن أمر أبي تمام وكيف صار شاعرًا علم هذا الأمر؛ فقد قال عنه أنه ما من شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا مُحدَث إلا قرأه واطلع عليه، وقد قال عن نفسه -كما روى عن ابن خلكان في (وفيات الأعيان) :"أنه لم ينظم الشعر حتى حفظ سبعة عشر ديوانًا للنساء دون الرجال".

وهذا هو شأن الشعر كله والأدب كله والفكر كله: معاناة وتأمل وصناعة ومراجعة وتنمية وتشجيع وتعلم، وإلا فهو أوهام داخلية يحس المرء المريض فيها أنه الشاعر النحرير والأديب الخطير، والمفكر المستنير، والكاتب القدير، فلو أراد لأتى بما لم تأتِ به الأوائل، يَنْعى على قلة الوقت حينًا، أو على ظلم الزمان حينًا آخر، أو على قلة أمل قادم يفجّر من عبقريّته التي ستجعل العالم يقف عندها، وربما لا يأتي ذلك أبدًا! ولو حاول لوجد أنه ليس في الحقيقة إلا معوّقٌ جاهلٌ لا يستطيع أن يُنشئ جملة من غير خطأ، ولا أن يُحرِّر فكرة من غير تشويش، لقد صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: (إنما العلم بالتعلم) ، وأكثر الناس إدراكًا لوهم هؤلاء هم المعانون لهمّ الفكر وكتابته وقراءته.

كم تسمع من أحدهم:"هذا أمر هيّن لو شئت لفعلته"، لكن السؤال: لمَ لمْ تفعله؟! والحق أنه لو أراده لانقلبت قفزته على قفاه، وكم من الأمور تبدو لنا سهلة ميسورة لإتقان القائمين بها وسرعتهم في أدائها، فنظن يُسرها، فإن حاولنا علمنا كم من التدريب والِمران والعرق والجهد والقراءة والتجربة نحن بحاجة إليه حتى نصل إلى هذه المرتبة أو هذا الفعل.

قد لا يدري القارئ وهو يُقدَّم له كتاب يلتهمه في يوم أو أسبوع أن صناعة هذا الكتاب احتاجت سنين طويلة حتى كان هكذا بين يديه؛ فهذا الإمام مالك -رحمه الله- يزفر زفرة المعاناة والحكمة -لا أجد لها اسمًا آخر وهي لا شك أعمق من ذلك وأوسع-، وهو يقول لتلاميذه وهم يحملون عنه كتابه العظيم، (الموطأ) :"كتاب عانيته في ثلاثين عامًا يأخذه أحدكم في أسبوع".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت