الصفحة 156 من 171

هذا خاتمة المطاف، وهو باب هزل أشبه بالجد، وباب جد أشبه بالهزل، قد يبدو لك وهو في غيرك مثيرًا لبسمتك فإذا حلّ فيك صرخت وتألمت، وحتى أتجنب سخطك عليّ أولًا ثم سخطك على الكتب ثانيًا فها أنا أنذرك لتعذر الكتاب وتعذرني، أما إن كنت من أهل الولع بالكتاب فلن ينفعك هذا الإنذار ولا هذا الفصل الهزيل، ولكن ربما ستبحث هذه المسألة من جهة أخرى فتتساءل: هل الولع والعشق للجمال أمر اختياري أم اضطراري؟ ولكن لن تنفعك هذه المسألة كذلك لأن علمك بحالك أنك مأسور، مدمن، عاشق، ولهان لا يطلقك، بل ستكون أنت ومجنون ليلى سواء، لا يسأل الله شفاءً بل يسأله مزيد حب وعشق.

اعلم أيها العاشق أن القراءة ضرة لبعض النساء كما قيل لامرأة الزبير بن بكّار، -وهو من ذرية الزبير بن العوام أحد حواري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن علماء النسب الكبار وكان قاضيًا-:"هنيئًا لك إذ ليس لك ضرة!!"فقالت:"والله لهذه الكتب أضرّ علي من عدة ضرائر".

وأعلم أن أحدهم لحب زوجته له وحبه هو للكتاب أكثر منها عاد يومًا إلى البيت فوجد حبيبته الدنيا قد حرقت حبيبته الأولى لشدة غيرتها وعدم إنصاف صاحبنا، فغضب وطلّق الحارقة وبدأ بتجميع الأولى حتى عادت أضخم مما كانت!

أما أنا فمن إنصاف حبيبتي وقد رأت حبّي للكتب أن ملّكتني مهرها لأملك مبتغاي، فكانت لها راعية محبة، وقبل انشغالها بولدي كانت تعرف مواطن الكتب الصغيرة في مكتبتي أكثر مني، وذلك لقلة صبري مرات كثيرة وأنا أبحث عن كتاب، فتقول لي:"اجلس، واهدأ"، وما هي إلا دقائق حتى يكون الكتاب بين يدي.

فهذه جناية أخرى من جنايات الكتاب، وهو جناية على جيب العاشق أو العاشقة، فكم من محب جاع أو باع بعض متاعه من أجل الكتاب، وكم من محب باع الكتاب من أجل طعامه فكادت نفسه تذهب وراءه، فإن جنى عليك الكتاب هذه الجناية فلا تلومنّ إلا نفسك.

وبعض من لا يتقِ الله يشتد عشقه إلى درجة اقتراف الحرام، ويقال إن برنادشو كان يسرق الكتب التي يستعيرها من أصدقائه، حتى إن أحدهم زاره فرأى مكتبة عظيمة، فقلّب كتابًا ثم طلب استعارته، فقال له برنادشو:"أنصحك ألا تُعير كتابًا قط، فأغلب هذه المكتبة إنما هو إعارة لم أعدها لأصحابها"، وبرنادشو يقال له:"الفيلسوف الساخر".

أما علماؤنا الأقدمون فقد اختلفوا في إعارة الكتب؛ فهمنهم من رآها من زكاة العلم ومنهم من وقع في ورطة مع أمثال برنادشو فنصح بعدم الإعارة، وعندي أن الأمر يعود إليك، وقياس الكتب على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت