الصفحة 104 من 171

والإقصاء دون قيم التكافل والتعاون، فهل يمكن لتنظيم مخالف أن يمدح ولو بإنصاف ما كتبه تقي الدين النبهاني؟ أو يمدح تنظيمُ هذا الرجل شيئًا كتبه أبو الأعلى المودودي؟!

وما يوجد من تيارات فكرية ليس لها جماعات هي كذلك تعيش نفس المرض، بل ربما أشد، ولا تقرأ لهم إلا:"اقرؤوا لفلان، احذروا فلان، احرقوا كتب المبتدع .."، هياج منفلت من أي قيمة عقلية أو دينية حتى وصل بهم التأبّد أن حرقوا كتب تراث هي عيون الأمة التي تبصر بها، ولو كانت في غيرنا لجعلوها حنانًا مثل كتب ابن الجوزي وابن حجر والنووي.

إنها طفولة مشوهة مريضة ليس لها من همّ إلا تحطيم البناء وهدمه، وفي النهاية عادوا على أنفسهم ضربًا بالعصي، فما أصبحوا إلا كهشيم المحتضر!

أقول هذا الكلام في معرِض تقوية وتعميق القراءة من خلال كتابة الأبحاث الجادة، وأخاف أن يفهم بعض القرَّاء أن هذه دعوة لأن يكتبوا كما يكتب البعض فينا، والأرض بحق ليست بحاجة لصحارى جديدة بل فيها ما يكفي وزيادة. فاللهم رحمتك.

للقراءة تاريخ طويل يتعلق بأدواتها، وصناعة الحرف مرّت عليه أطوار وأطوار حتى يحقّق أهدافه في سهولة ويسر، وذلك بأن تشيع المعرفة وتقل عوارضها، وآلات اللغة تطورت كما تتطور اللغات لكن ليس شرطًا أن تتطور اللغات إلى الأفضل وذلك بخلاف تطور الآلات، فإنه ثبت على مدار التاريخ أن أدوات اللغة وآلات المعرفة تتقدم إلى الأفضل؛ لأن الآلة صناعة يدوية وليست قيمية، فهي معرفة تراكمية وإنسانية يؤمن بها الجميع، تخضع لقوله تعالى: {وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .

ربما شاع في العصر الجاهلي قبل الإسلام وجود منافسة بين المعرفة والكتابة، حيث وردت بعض الروايات عن بعضهم وجود أنفة من أن يُعرف عنه الكتابة لأن في ذلك اتهامًا لذاكرته، كما ورد أن الأعمش صحح لراوية شعره حرفًا كتبه، فقال له راويته: أو تكتب؟! فقال له الأعمش:"استرها، استرها". وسواء صحَّت هذه العقلية أم أنها غير مطردة؛ فإن زمنهم وما فيه من ضعف وسائل الكتب فيه الكفاية ألا ينتشر هذا العلم ويجعل غالبه مكتفيًا بالرواية والمشافهة.

لقد تطورت الكتابة ولا شك تطورًا تصاعديًا، فما نحن في اليوم خير ألف مرة من أي زمن مضى في هذا الباب، وإن بعض المحبين لكل ما هو قديم لمخطئون حين لا يعترفون أن السيارة خير ألف مرة من الفرس والبعير، مع أني أظن أنه لا غنى للناس عنهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت