القراءة فعل وغريزة، وكل فعل وغريزة له درجات متعددة، تقوى بتقوية أسبابها وآلاتها، وتضعف بضعف هذه الأسباب والآلات، والناس (القراء) يتفاوتون في هذه الغريزة، ليس بسبب كميتها فقط ولكن لاختلاف درجاتهم في تقوية هذه الغريزة أو إضعافها.
وقبل ذلك قد يسأل سائل: ما هي أعمق قراءة؟ والجواب ولا شك: هي القراءة الناقدة المفسرة:
-فهي قراءة كاشفة؛ تكشف لك النص بوضوح دون ضبابية أو خفاء، وتكشف لك عمارته أو خواءه، غناه أو فقره، تكشف لك شجاعته أو جبنه، تكشف لك الكاتب كما تكشف لك الكتاب.
-وهي قراءة محاورة: تحاورها حوارًا يرقيّها في داخلك، لا تقبلها ولا ترفضها، بل تحاورها لتنشئ غيرها، غير يكون أرقى وأوسع وأشمل؛ فالأفكار بضدها تتطور وتثمر، وبتوسعها تُقبل بنسبة وتُرد بنسبة، كما قال بعض السلف:"من قلَّ علمه كثر اعتراضه".
-وهي قراءة توسع الدلالة؛ فدلالة الحرف مراتب -ككل ما خلق الله وأبدع في الوجود- متفاوت الدرجات، وكذلك النص، والقراءة الناقدة تذهب بك إلى أعلى درجات دلالة النص والحرف، بل وتذهب بك إلى المسكوت.
-وهي قراءة استنباط؛ أي بها تستخرج الجزئي من الكلي.
-وقراءة استقراء؛ أي تستخرج الكلي من الجزئي، فهي قراءة تنشئ لديك الكليات والتي لا فقه بدونها كما قال بن تيمية -والفقه هنا بمعناه اللغوي لا الاصطلاحي-، وتعطيك التعميم، وهو أساس إعمال الحكم وهو مفتاح نجاح الحياة كلها. ومع فهم الفوارق بين الجزيئات والتي ظاهرها المشابهة وظاهرها المخالفة.
هذه جوامع القراءة العميقة التي يجب على القارئ أن يسعى إليها.
إنه مما لا شك فيه أن أعظم طريق لتعميق القراءة لارتشاف رحيقها من مظانها هو كثرة القراءة والاطلاع، كما قال الجاحظ في معنى كلامه: العلم إن أعطيته بعضك لم يعطك شيئًا، وإن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وأنت مع هذا البعض على خطر عظيم.
فكثرة الاطلاع والمعرفة لا تزيد مداركك الذاتية والعلمية فقط، لكن تزيد قدرة هذه الغريزة على الغوص في مرامي المؤلفين وكلماتهم، ويصبح عندك القدرة على معرفة مستويات الكتّاب والكتب، كعين الخِرِّيت الخبير، وخاصة إذا اختار المرء اختيارًا موفقًا للكتب وأنواعها، وإذا تنوعت هذه القراءة ولم يقيد الإنسان نفسه في فن واحد لا يتعداه.