الصفحة 83 من 171

وهذه النكتة تُعمَّم على كل جوانب الحياة، فعلى الناس أن يدركوا أن قدراتهم في هذا الباب واسعة وكبيرة، وإن النفس يمكن صناعتها من الضد إلى الضد؛ فالإنسان ليس رقمًا ثابتًا بل يتغير ويتبدل في نفسيته كما تتغير أفكاره وأحواله، والعاقل من لا يقع أسير الوهم بأنه لا يستطيع العيش إلا من خيار وحيد مع وجود بدائل، وهذا مرض يدخله المرء باختياره ثم ينزلق فيه درجة درجة حتى يقضي عليه، كما هو شأن المخدرات والعشق.

وأما من يقرأ وهو يستمع للموسيقى وآلاتها ظانًا أنها تجلب له الهدوء وعمق التركيز فهو وهم آخر، فإنه قد ثبت بدراسات منشورة أن القراءة مع الموسيقى تقلل التركيز، فلم يجعل الله لرجل من قلبين في جوفه، فهذه القراءة أمانة لإدراكها على وجهها، والواجب الحفاظ هذه الأمانة لا إضعافها أو إذهابها، والكلام عن الآلات الموسيقية طال منذ القديم وكتب فيه مصنفات، وواجب المسلم العناية بعقله ومشاعره وغرائزه، ولو بدا للبعض أن هذا مقيد لرغباته فإن قلبه ودينه وآخرته أهم من هذه الرغبات التي ضررها أكثر من نفعها، وليبتعد العاقل عما يضره فهو خير له، ولا أريد أن أطيل في ذكر الخلاف الحاصل قديمًا وحديثًا في الآلات الموسيقية فهذا تكثير غير محمود، ومظانُّه كثيرة مشهورة.

من عجائب ما قرأت عن نهم البعض بالقراءة هو ما ذكره ابن القيم عن شقيق شيخ الإسلام بن تيمية عن أبيه أن جده عبد السلام كان إذا دخل الخلاء يقول له:"اقرأ من كتاب كذا وارفع صوتك حتى أسمع"! وهذا الجد كان يقال عنه أنه أُلين له الفقه كما أُلين الحديد لداوود -عليه السلام-.

فسبحان من قسم الحب بين الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت