يقول تعالى في سورة البقرة واصفًا بذم بني إسرائيل: {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [البقرة:78] .
والأماني هنا هي"القراءة"كما هو معروف في لغة العرب، لكنها قراءة مذمومة أنشأت الوهم والظن الفاسد، ولم تُخرجهم هذه القراءة عن أميَّتهم القبيحة.
فالقراءة ليست مجرد تلاوة للفظ، بل هي علم مؤصَّل مقصدها إنتاج العلم والمعرفة والوصول للحقيقة، وعدم سلوك أصول القراءة تنتج معارف باطلة مغلوطة.
فالقراءة علم ومن أجل تحقيق علم كذلك، وكل قراءة لا تُكوِّن علمًا وتغييرًا فهي حركات ارتعاش صورية، وهي مذمومة في ذاتها لسلبيتها حينًا ولإنتاجها الباطل حينًا آخر.
وهذا العلم له صور وجودية متعددة يجمعها البحث والنظر والتفكر؛ فكل بحث لتحقيق كشف هو قراءة، وكل نظر لإدراك شيء هو قراءة، وكل تفكر لإنتاج علم هو قراءة، فليست القراءة تتعلق بالحرف فقط بل هي تتعلق بالوجود كله، فكل ما هو مخلوق أو مأمور أو مُخبَر عنه أو مُتصوَّر هو المعرفة والبحث والنظر والتفكر فيه هو قراءة، وهذا المعنى داخل في قراءة الوجود في قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} كما تقدم سابقًا، فإنها قراءة للتكوين كما قال تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ} فهذه الآية تفسر بعض قوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ} .
إن ما يمارسه الشاعر من التصوير -أي إيقاف الحدث أو الشيء- وتمثيله قبل التعبير عنه بالبيان الشعري هو قراءة سامية راقية، وإن إنتاج رغيف الخبز -وهو أعظم ما أنتجته البشرية في تاريخها- وذلك حين نظر الإنسان إلى حبة القمح وصنّعها ثم عجنها وطبخها ثم خبزها، هي قراءة تدل على أن العقل الإنساني الأول ليس بأقل من عقل الإنسان اليوم، بل إن قراءة الأوائل هي الأعلى لأنها أوجدت الأسس لما يتمتع به هذا المتأخر المغرور، والذي لا يفتأ يتهم أجداده بالغباء والتخلف، وإن إرسال الطرف إلى السماء لمعرفة ما فيها من هوادي، وتشكيل ما تفرق في زمر سميت بالأبراج هي قراءة لهذا اللوح الإلهي العظيم، وإن تغلغل الحكيم في تيار الزمن وأحداثه لرصد سننه وقوانينه وصوغها في كلمات قليلة سهلة على الناقلين فيها جرس موسيقى جميل هو قراءة علمية راقية.
إن القراءة ليست اطلاعًا فقط، بل هي تشكيل كذلك، أما جعلها مجرد ارتعاش شفاه فهو الجهل بعينه.