الصفحة 162 من 171

وهذه قلتها لأن بعض القراءات تخضع لهذا القانون -ويُكتب هذا القانون ويحفظ-: أن الدرة في بعض الأحيان لا تلُتقط إلا من العَذرة، -والعذرة هي القذارة- ... ومن هنا فإنه في بعض المسائل لا بد أن تذهب إلى الكتب التي لا تحب أن تحملها، ولو حملتها لاتَّهمك الناس في دينك، ولقالوا عنك الكثير، وأنت مضطر أن تفعل هذا، كما أنك مضطر أن تذهب لتحصل على الدرة من مكان قذر، لأنها وجدت في مكان قذر.

قاعدة من قواعد القراءة: أن القراءة تولد القراءة، وهذه مهمة جدًا.

البنياويون يقولون أن النص لا يُخرج نصًا، وهذه لن نناقشها؛ فهؤلاء جماعة يعيشون في الوهم، ويعيشون في الخيال، يعتبرون أن النص ليس خطابًا خارجيًّا، لا يوحي بشيء للقارئ، ولكنه يعني ذاته، وهذه قراءة جنونية؛ لأن البيان وُضِع من أجل الإبانة عمّا في نفسك للآخر.

فهذه مهمة القراءة، مهمة الكتابة، مهمة الكلام، مهمة ما يقوم مقام القراءة والكلام -أي الإشارة عند غياب الكلام-؛ المقصود بها هو أن يَبين الرجل عمّا هو في نفسه، كما قال الفاروق-رضي الله تعالى عنه-:"زَوَّرتُ في نفسي كلامًا".

فالقراءة لا تُعقَل إلا بقراءة تقع عليها، وهذه الكلمة لها تفاصيل وتفاريع كثيرة، أهمها ما نحن فيه، وهو أنه لا يصحُّ لأحد أن يقرأ كلامًا دون أن يقرأ كلام المعارض.

إذًا القراءة أو الكلام لا يعيش في المطلق بل في النسبي؛ يُقبل ويُرد، يُقيَّد، يُخصَّص، إلى آخره. لذلك لا بد أن نقرأ بعض الكتب، ولكن لا بد أن نقرأ ما يقابلها؛ فالقراءة تلد القراءة؛ أنت عندما تقرأ كتابًا فإنه لا بد أن توحي لك هذه القراءة بالذهاب إلى كتاب آخر، وأنا ابن القراءة؛ ما تعرَّفت إلى كتاب إلا كان المعرِّف لي بهذا الكتاب كتابٌ آخر، بعض الكتب لا شك نُصحت بها من آخرين، كتب ذهبت إلى المكتبة فتَّشت بها وأخرجتها، ولكن عامة ما قرأته إنما نتج من القراءة، وأنا ابن القراءة، لا أعرف ابن تيمية ولا ابن القيم، في الصف الرابع الابتدائي بدأت همتي للقراءة في الكتب، وإلا قبل هذا العمر كنت أقرأ كل ورقة مرمية على الأرض، كل مجلة، لكن في الصف الرابع قرأت (كليلة ودمنة) ، ثم تعرفت على مصطفى صادق الرافعي بما قرأته في طه حسين، هناك عدو له مخالف له، ولم أعرف ابن تيمية إلا من خلال قراءتي لابن القيم، فالقراءة تولِّد القراءة، نشأت تبليغيًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت