الصفحة 161 من 171

الدعوة إلى الظلم، ولكنهم يذهبون إليه ليأخذوا ما به من الخير، يذهبون لينزعوا ما به من الدَّسم ويتركون ما فيه من السُّم.

وعلينا أن نُفرِّق بين ما يُنتِج معرفةً وبين ما هو مجرد سبّ، لماذا أمرنا الله -عز وجل- بعدم الجلوس مع الذين يخوضون في آيات الله-عز وجل- {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ} ؟ لأنه مجرد سب واستهزاء، لكن لو أنهم أرادوا النقاش والحوار والجدال؛ ينبغي أن تجلس لهم، وتثني ركبتك، وتربط على رجليك، بأن تجادلهم وتناظرهم بالحق، وشرط هذا أن يكون معك السلاح، ولا يجوز لمن ليس معه السلاح أن ينزل الميدان ويطلب المبارزة، فالواجب لمن يريد أن ينزل في أرض النزال ويطلب الشجعان أمامه أن يكون متقويًا، أن يكون مدرَّبًا، وأن يكون حاملًا للأسلحة اللازمة لهذه المعركة، ولذلك نحن دعوتنا لترك القراءة الطهرية إنما هي للقادرين على الخوض في معتركات الرجال:

وَابنُ اللَّبُونِ، إذا ما لُزّ في قَرَنٍ ... لمْ يستطعْ صولة َالبُزلِ القناعيسِ

ابن اللبون: يعني الذي أمه درَّت اللبن لابنها، ونُسب لأمه، فهذا لأنه ولد صغير لا يقدر أن يحارب، البُزل: التي وصل عمرها إلى عشرة أعوام، فلا يستطيع أن ينافسها، ولذلك ينبغي على من يخوض أن يكون متحضِّرًا.

من هنا فلا يجوز لرجل أن يذهب ويقرأ كتب الملحدين وهو لا يعرف الرد عليهم، ولا يعرف سبلهم، ولا يعرف كيفية تحويل الإيمان إلى أفكار مرتبة ترتيبًا علميًا، هو الإيمان لديه ساذج ضعيف، والفطرة جيدة، لكنها ليست متينة، والدليل قوله-صلى الله عليه وسلم-: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوِّدانه) ؛ إذن الفطرة لا تملك الدفع، هل تملك الإثبات؟ نعم لوحدها هي مسلمة، لكن لو أردت الحرب هل تقدر؟ لا تقدر: (فأبواه يهودانه) ، واحد عنده إيمان فطري ويريد أن يحارب، نقول له: إيمانك الفطري لا يستطيع، لا بد أن تُحوِّل إيمانك إلى علم صناعي وآلة محاربة تستطيع أن تخوض بها غمار الحروب، الذين يعيشون على الفطرة لا يقدرون الحروب، كما أن الرجل من غير تدريب لا يستطيع أن يدخل العسكرية، ولا المصارعات البدنية، (فأبواه يهودانه) : يتغير بجرد البيئة ونظام القطيع الذي يعيش فيه.

نحن نقول أن طالب العلم لا ينبغي أن يتوقف أمام القراءة، لا يخاف يقرأ كل شيء، ولكنه يقرأ علمًا.

إذن كل القراءات عبادة وكل القراءة دينية، ولا يوجد قراءة طهرية، هناك قراءة نافعة وهناك قراءة غير نافعة، هذا الفرق، وهناك قراءة لها قيمة حتى لو كانت من أعدائنا، وهناك قراءة مجرد كلام لا قيمة له، سواد على بياض لا يقدِّم ولا يؤخِّر، هذه لا ننتبه لها ولا ننظر فيها ولا نقيم لها شأنًا في هذا الوقت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت