والنصر لا يظهر إلا بوجود العدو، لذلك لا بد من القراءة للأعداء، والقراءة للأعداء تصنع عبادة؛ لأنها تقوّي.
لذلك أعود لشرح القضية الأولى؛ ما من قراءة تقوم بها يا أيها المسلم إلا وينبغي أن تفتح في ذهنك تسبيحًا، حمدًا، تعظيمًا، توحيدًا لله -عز وجل-، عليك دائمًا أن تربط هذه القراءة التي بين يديك في الكتاب، التفكر، السماع، عليك أن تربط هذه القراءة بالله -عز وجل-، وكيفية تقوية هذه العلاقة مع الله، وتعبُّدَك له، أن تقويها من خلال ما تقرأ.
لكن أين يقع الخطأ؟
يقع الخطأ في وضع الأنوار في غير محلها، إذا قرأ الإنسان شيئًا، ولم يُوجِد لديه هذا المعنى، أو قد وُجِد ضده بمعنى إذا اختل معلم من معالم الإيمان بنفسه بهذه القراءة، فما السبب؟ السبب أنه لم يرتب الأنوار ترتيبًا صحيحًا، مثل اللوحة كما يسمونها بالعامية"مخربشة"؛ غير متقنة، فإذا أنت وضعت هذا الضوء في مكانه الصحيح ازدادت هذه اللوحة أَلَقًا ونورًا، عليك أن تنتبه لكيفية ترتيبها، وهذا قلنا عنه شيئًا سابقًا في جغرافية الفكر، وهذا يخدم هذه القضية، فعليك أن تضعها في موضعها الصحيح.
ما من قراءة إلا وتخدم إيمانك، وحتى القراءة المُعادية للدين تصنع دينًا وتصنع إيمانًا وتصنع هداية، كما أن توجُّه جيش الأعداء إلى حصن من حصون المسلمين يصنع إيمانًا وجهادًا وعبادةً ودعاءً وثقةً بالله، ووحدة لجموع المسلمين، فيكون وجود الأعداء سببًا في تثوير معالم الإيمان في هذه القرية، أو هذه القلعة أو الحصن، هذه ينبغي أن نتذكرها دائمًا: أن توجُّه جيش من الأعداء لحصن من حصون المسلمين يصنع الخير؛ ترى جموع هؤلاء الناس يتوحّدون، ترى الفقراء يدعون، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إنما تُنصرون وتُرزقون بضعفائكم) ، ترى الناس تحدث لهم الشهادة، هذا اصطفاء واختيار من الله، وترى الناس يبذلون أموالهم، وهكذا يكون وجود الأعداء سببًا في تثوير معالم الإيمان في هذا الحصن.
وكذلك إذا توجه كلام شر -كلام شيطاني- إلى قلب المؤمن؛ يكون سببًا لتثوير معالم الإيمان، يذهبون للكتب للرد عليهم، يذهبون للتاريخ، يستغيثون بالله، وهكذا، فيحصل من هذا الفساد في الأرض من الأعداء الخير العظيم في القلب الإيماني بسبب هذه القراءة.
إذًا أنت انتبه لهذا، اذهب إلى الكتاب حتى لو كان من أعدائك ليزيد إيمانك، لتزيد أنوار كلمات سبحان الله، تسبّح الله، وتحمده، وتؤلِّهه، وتعظِّمه، هذه الكلمات الباقيات الصالحات.
هذا يدل على أنه ينبغي للمسلم ألّا يخاف أن يقرأ لأعداء الله، القدماء كانوا لا يخافون من القراءة، والدليل أنهم كانوا يقرؤون شعر الجاهلية وفيه ما فيه، قد يكون فيه الكفر، وقد يكون فيه الإباحية كشعر امرئ القيس، وقد يكون فيه الافتخار الجاهلي، وقد يكون فيه مدح الظالم، وقد يكون فيه