الصفحة 159 من 171

إلى تكوين، أو سماعًا لقضية، أو تفكُّرًا لمسألة-؛ تُشكِّل نقطة ضوء بمجموع هذه النقاط، تتشكّل لديك الكلمات الأربعة وهي عماد وقوام هذا الدين؛ وهي سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر.

عندما تدخل في مسألة من المسائل، أو تسير في الأرض لترى حكمة من حكم التاريخ، أو تمشي في قضية تشكل لديك عبرة من العبر التي أمر الله-عز وجل- بالنظر فيها والاعتبار من أجل بناء قضية إيمانية، أو أن تدخل في كتاب من الكتب وتقرأ فيه، فإن لم تَنْقَدِح في ذهنك هذه النقطة الضوئية وتشتعل وتضيء؛ فأنت قد فشلت في القراءة، ولم تحقِّق المطلوب، ويجب عليك أن تقرأ كل كتاب، وأن تسمع كل قضية، وأن تَرِد على ذهنك كل قصة، وأن ترى كل حادثة من الحوادث في التاريخ وفي المعاصرة، ويجب أن ترى أنها أشعلت نورًا إيمانيًا في قلبك، قد شكّلت مَعلمًا من معالم هذه الكلمات العظيمة. فإن شكلت لديك هذا الضوء؛ فأنت قد أصبت المقصد الذي من أجله يُقدِم المسلم على القراءة، وإن لم تُضَأْ لديك هذه الأنوار؛ فأنت قد فشلت ولم تحقِّق القراءة مقاصدها من نفسك.

وسيتفرَّع على هذه النقطة نقاط أخرى، لنرى فساد الدعوة إلى القراءة الطُّهرية، لا يوجد شيء اسمه القراءة الطُّهرية، حتى وأنت تقرأ لأعداء الدين فإن المعالم الإيمانية تتفجر في نفسك، عندما تقرأ للمفسدين في الأرض، وتقرأ للملحدين في الأديان، وتقرأ للمناوئين للإسلام والإيمان، فإنها تضيء في قلبك أنوارًا، ربما -أقول ربما ليس دائمًا- تضيء لديك من معالم الإيمان، ومعالم الهدى والدين خيرًا مما تُضيئه بعض القراءات في كتب المتدينين، ولذلك الخصوم يصنعون من الخير في نفوس المؤمنين والمجاهدين أكثر مما يظنون، وهذه ذكرها علماؤنا، في كتابه (مداواة النفوس) الإمام أبو محمد ابن حزم الظاهري، قال:"إن خصومي صنعوا فيّ من الخير ما لم يصنعه غيرهم"، وقال:"لولا وجود خصوم لي ما كتبت كتابًا"، فكان وجود الخصوم له دافعًا للكتابة والبحث وإشراق الأنوار ونشر الخير وحصول الاجتهاد، إلى آخره.

إذًا المخالف يصنع من القوة، كما يصنع المضاد الحيوي في البدن من المناعة؛ فالقراءة للخصوم تصنع لديك المناعة والثقة بما معك من حق، هذه المقولة التي قالها ابن حزم في القرن الخامس الهجري، قالها ابن تيمية -رحمه الله- عندما جاء إلى قوله تعالى في سورة الفرقان: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} ، قال ابن تيمية في بعض معاني هذه الآية العظيمة:"إن وجود الأعداء للأنبياء هو مصدر نصرهم، ومِن أجل أن ينصر الله أنبياءه أوجد أعداءه".

إذًا لولا وجود الأعداء لما تحقق النصر، فكأنّ الحق يحتاج إلى عدوه الذي يُناكفه ويثوِّره ويعاديه من أجل أن يظهر الحق وينتصر.

هذان القولان لعالمين جليلين، نظر أحدهما إلى حاله فقال لنا النصيحة الذهبية، والآخر نظر إلى آية في كتاب الله، فأخرج منها مكنونًا ذهبيًا عظيمًا: {هَادِيًا وَنَصِيرًا} ؛ الهداية لا تتبين إلا بوجود العدو،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت