لهؤلاء"النافخين تورمًا"بمقدار الورق الذي يكتبونه، أي كما يقولون عن علامات بعض المدرسين الجهلة"بالشبر"، وهكذا يطول هؤلاء الكلام ليتم جني الثمن"بالشبر"غير مستحيين من الله ولا من الناس، و (إذا لم تستحيِ فاصنع ما شئت) ، كما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، فهذه الهوامش تضيع الناظر وتبعده عن مقصد المؤلف والكاتب، إذ ينشغل بها مرات ظانًا أن تحتها شيئًا، لكنها كالسراب إلا القليل منها.
وأغلب هؤلاء"النافخين تورمًا"لو طُلب منه إنشاء صفحة من قلمه دون أن يسرق من هنا وهناك ويملأها بالإحالات لوقف حماره في أول العقبة، لكنهم يُطيلون ألسنتهم الطويلة-بسبب مرض السرطان- في حق العلماء والسابقين، وما أن يروا خطأ لعالم ولو كان هذا الخطأ من جهة فهمهم حتى يقيموا له حفلة"زار"وجلجلة، وأما ما يؤخذون من الدرر فيسكتون عنها موهمين الواقفين على كتبهم -ولا بصر لهم بكتب السابقين- أنها منهم، وهم لصوص بلا حياء، وهؤلاء وإن نفقت تجارتهم حينًا خداعًا تحت شعارات مباركة إلا أنها عادت بلاقع وبان الصدأ، وإذا هي لا شيء فكسدت وبارت، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وخاصة بعد فضائح اتخاذ العلم تجارة وتكسبًا، فانهارت القيم الإيمانية والأخلاق النبوية على اعتاب الدينار والريال المقدسين!؟ عند نساكهما العابدين، ومن أجلها تحاكم أهل اللحى والثياب القصيرة إلى المحاكم الطاغوتية.
يُنصح عند القراءة اتخاذ"الكناش"وهو دفتر يجمع فيه الفوائد والخواطر، ولا يؤجل هذا فإنه سيندم كثيرًا بعد ذلك حين يرى الكثير منها قد ضاع وذهب، وعندما يحتاج إليه لا يجده، فاتخاذ الكناش مفيد وهو طريقة قديمة للعلماء.
وأما ما يفعله البعض من التعليق على نفس الكتاب المقروء فهذا أمر يرجع له، ولو جعل لقراءته فهرسًا على أول ورقات الكتاب أو آخره فحسن، هذا إن كان الكتاب له، وأما إن كان لغيره فهو تعدٍّ على حقوق الآخرين، وبعض القراء لا يستطيع القراءة في كتاب فيه خطوط أو تعليقات أو تظليل بألوان فسفورية على سطوره، وقد سمعت الكاتب أنيس منصور يقول هذا عن نفسه، وهذا الكاتب لا أعلم له كتابًا له قيمة أو فيه بذل لجهد معتبر إلا كتابه (وكانت لنا أيام في صالون العقاد) ، مع أن في هذا الكتاب وصف لنفسه أكثر بكثير من وصفه للعقاد، ومع ذلك ففيه بعض الفوائد عن العقاد.
بعض القراء يكون أسيرًا لظرف معين في القراءة أو لوقت محدد، وعندي أن أمر القراءة هو الأمر في الطعام وهو المحافظة على ما اعتاد فيها وتآلف جسمه معها، فإن كان المرء قادرًا على صناعة طقسه الذي يرتاح فيه فليوافق نفسه ولا يخالفها، فليس مقصودًا مخالفة النفس لذاته بل هو يخالفها إن وجد فيها إعراضًا عما ينفعه في الدنيا والآخرة، حينئذ يأطرها على الحق أطرًا ولا يألو، ولكن إن تغيرت عليه الظروف أو قست وامتنعت عن تحقيق رغبته فلا يقعنّ بذلك أسير الوهم أنه لا يستطيع القراءة إلا في ذلك الظرف الهارب، بل إنه قادر أن يمرِّن نفسه لتتأقلم هي مع الظرف إن عصي الظرف عن التأقلم.