عملاقًا، عمود نور، جذوره في الأرض، كل الأرض، وفروعه في السماء، وثماره في مشكاة الصدور، في فلسطين وأفغانستان والشيشان والعراق وكشمير، بل في كل بلد فيها مؤمن بكلمة الله.
تأمل أيها الإنسان، ألا ترى النور؟! ألا ترى القنابل؟! ألا ترى الأرواح؟! ألا ترى كل ذلك يمثل صراع كلمة الله، كتاب الله، ضد الشيطان وجنده؟!
هكذا تُقرأ هذه الكلمة، وهكذا يُقرأ الإسلام، وهذا طقسه الذي لا يُفهم في غيره أبدًا، فهل فقهت؟! إن فقهت فكن من عظماء قارئيه.
هناك بعض الفوائد المتعلقة بطقوس القراءة عمومًا نذكرها جملة والله الموفق:
إن المرء ولا شك يتأثر فهمه من خلال نفسيته، وكما يصبغ الحرف على النفس معنى، فكذلك تصبغ النفس على الحرف المقروء معنى، ولذلك على المرء أن ينتبه لذلك ويعيد القراءة في الكتاب الواحد في ظروف مختلفة وأحوال متعددة ليرى هذا الأمر، وليرى كذلك الكلمة على حقيقتها كما أراد صاحبها، أو ليراها من وجوه متعددة، فالكلمة من وجه آخر كالمرايا، تكون محدبة أحيانًا ومقعرة أخرى، ومستوية كذلك، والنفس ولا شك مرايا كذلك، وليحاول في كل قراءة أن يسجل هذه المعاني ليدرك الفرق ويتعجب من نفسه، وليستذكرها متى أرادها، فالمعاني تكون في بعض الأحيان خطرات سريعة إن لم تقيِّدها ذهبت.
وكذلك نمو مدارك المرء: الإنسان وكثرة قراءاته وتأملاته تجعلان القراءة للكلمة الواحدة تختلف، وخاصة تلك الكتب التي خطها عقلاء وحكماء وعلماء، وإن كان هذا عامًا مع كل كلمة وكتاب، فعلى المرء أن يعيد النظر والقراءة في الكتب التي مر عليها سابقًا ليكتشف نفسه قبل اكتشافاته الجديدة في هذه الكتب، وإن لم يحصل هذا الكشف الجديد فكفى ذلك فضيلة أن تعيد لك ذكريات وصور جميلة ماضية، والماضي له عبق خاص ولون أخّاذ.
ومن مهمات الانتباه فيما يتعلق بطقس القراءة، هو القراءة بما يعالج الحال؛ فإن المبتلى يقرأ: الفرج بعد الشدة، والفقير يقرأ: اليسر بعد العسر، وفي هذا مراعاة لنفسه من أجل ترسخ هذه القراءة وفهمها على وجهها الصحيح، ومما يُذكر من عجائب الأخبار في هذا الباب أن أبا الفرج بن الجوزي بعد نفيه من بغداد، وذلك بعد حصول وحشة بينه وبين الخليفة، كان يقرأ القرآن كاملًا كل يوم ويتجنب سورة يوسف، وذلك لشوقه لابنه يوسف، وكان هذا الابن بارًا به بخلاف ابنه الآخر الذي ما إن وقع أبوه في البلاء حتى باع كتب أبيه من أجل لهوه ولعبه، وكما قيل: فإن الشجى يبقى شجى.
ومما لا شك فيه أن نوع ورق الكتاب وجودة طبعته تؤثران على القارئ، ومما يقزز النفس هذه الأيام هذه التعليقات الجاهلة السمجة التي تدور في هوامش كتب التراث وكأن صاحبها يقول:"أبو اعرفوني"، وفيها من تضخيم الكتب تورمًا ومرضًا، ومن أجل التجارة والتكسب فإن المكتبات تدفع