الصفحة 80 من 171

سالم حيًا لولَّيته، وكان مولى-، الراية بعد أن سقطت لموت حاملها فقال الناس: نخاف أن نؤتى من قِبلك؟! فقال:"بئس حامل القرآن أنا إن أوتيتم من قِبلي".

هكذا ينتصب الحرف جميلًا جليلًا، وتجتلى الكلمة كالعروس بهاءً، وتتناقلها الأجيال لا من الأفواه والكتب فقط بل من الفعل والمثال.

ومع هذا التأمل لما مضى من تاريخ هذه الكلمة فإني أرى -وكل بصير يرى- كيف يُقاوَم الحرف اليوم، وكيف يُحارَب، فهم يريدون موته بملاحقته، فالشيطان لا يريد له وجودًا في مناهج التعليم، حتى أن بعض الدول أزالت من مناهجها التعليمية سورة (الكافرون) لما فيها من البراءة منهم، ولما فيها من تقسيم الناس إلى فسطاطين.

ويلاحَق حملة الحرف والكتاب كما يلاحق المقاتل المجاهد، فتتحول خطبة الجمعة بدل تسبيح الله تسبيحًا الطاغوت، وبدل الانتماء إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - انتماءً للجاهلية، وبدل فقه الإسلام فقه شريعة الشيطان، ليست مناظرة بين كلمة وكلمة وبين حرف وحرف بل بين الكلمة والدبابة، وبين الحرف والسجن، فتأمل كيف يثبت الحرف وكيف تقاوم الكلمة، إنما ينتصبان نورًا ضد ظلماتهم من خلال دماء أهلها وعرقهم وبذلهم وأرواحهم.

هذه المعركة غير المتكافئة وغير الشريفة وغير العادلة لا يمكن أن ترجَّح فيها كفة الكلمة إلا بهذا العرق وبهذا البذل وهذه الأرواح، وستذهب أموالهم ودباباتهم وسجونهم وفي قلوبهم حسرة وغصة وسيُغلبون، كما وعد صاحب هذه الكلمة ومربيها وحافظها.

لو كانت فلسطين مجرد كلمة في كتاب وليست آية في كتاب الله لماتت منذ زمن كما مات الهنود الحمر وغيرهم، لكنها آية تُسقى بأطهر الأرواح والدماء، فستبقى كما هي بل ستزداد روحًا لأنها تقتات منها، وإن قوله تعالى: {الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} ليس فيها بركة التكوين فقط عندما خلقها، لكنها بركة النَّماء؛ فيها تنمو قيم الصراع بين الحق والباطل، وفيها تُزرع الأرواح لتُبارَك بالسقوط عليها ومن أجلها، وإنها من بركة الله فيها أن ابتلى أهلها وجعلهم أهل النور حتى لا يموت النور، وأهل الجهاد حتى لا يموت الجهاد، وأهل الصبر حتى لا يموت الصبر، وأهل الصراع حتى لا يموت الصراع وستبقى هي عقدة العقد وآخية الفرس كلما أرادوا نومًا أيقظتهم، وكلما أرادوا هروبًا شدتهم، وكلما أزالوا الفوارق بين الحق والباطل ووصلوا إليها، إلى جدارها تهاوت كل مداهناتهم وتعلات أمام شمسها، إنها البركة، وهل هناك بركة من غير عطاء ونماء؟! اللهم لا.

لو كان القرآن مجرد كتاب خرافة كما هي كتب الأديان الأخرى لكان مستقره المتاحف للدارسين في الرقم العاديات، مشغولين بإزالة الغبار والتراب عنه ليتبينوا حروفه الغائرة الدراسة، لكنه كلمة الله، وكما وصفه الله تعالى"روحًا"، وهذه الروح لا تعيش هائمة بل تعيش هادية، فنها هو ينتصب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت