له سعد:"لعلك تعنينا يا رسول الله، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} ، ولكن نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".
والجهاد في سبيل الله تعالى والصبر عليه والبلاء في ذات الله تعالى تجعل للنص روحًا أخرى ومعنى آخر؛ لأنه يتغلغل في النفس ويلامسها وهي حارة حساسة متلقية.
إن المجاهد حين يرى نصرة الله وتأييده مع البلاء الذي يحياه فإن لآيات الجهاد -وهي أكثر الآيات القرآنية في قلبه- لها نور وفهم وإدراك أتم وأرقى.
إن الذي صبر ثم نال مبتغاه من خلال الصبر والصلاة وسلوك سبيل السنة في الوصول للهدف ليحس بالآيات التي فيها اليسر بعد العسر والفرج بعد الشدة والنصر بعد البلاء نورًا خاصًا في قلبه.
إن هذا الدين هو دين الفعل، ودين الحركة، ودين العطاء، ودين البذل، ولا تصل أفهام الناس إليه إلا من خلالها.
لقد قال الشيخ الإمام عبد الله عزام:"إن حياتي فقط هي تلك السنوات التي عشتها في الجهاد"، مع أنه الدكتور والعالم الشرعي، لكن للحدث مع النص صناعة أخرى.
إن طقس هذا الدين هو البلاء والمحن، وامتدت حروفه مع البلاء والصبر والمحنة، ولا يمكن قراءته على وجه تام إلا بالبلاء والصبر والمحنة.
إني لا أعرف عالمًا في تاريخنا إلا عانى وتعب وصبر وابتلي من أجل حروف هذا الدين تعلمًا ونشرًا وعملًا وهداية، ومن لم يُبتلى في سبيل هذا الدين إن كان من المقدمين فيه فليشك في نفسه.
ابتلاء أهل هذا الدين والعلم فيه فوق أنه لرفع درجتهم وامتحانهم في صدق انتمائهم له؛ يعطي هذا الدين المصداقية للأجيال والمتعلمين؛ فإن المتعلم والشادي حين يرى أستاذه ومعلمه يشد عليه ويحرص على نشره ويثبت على قيمه يعلم أن وراء هذه الحروف والكلمات أمرًا عظيمًا، وهي ليست مجرد معرفة عقلية ولا رسم حروف سوداء على ورق، بل هي فعل وعمل ودماء، وهي ليست صورًا بل روح تسري في أبدان تعبت في مراد هذه الروح، ففي طقس هذه القراءة تنتقل أعظم المعالم من الإخلاص ومحبة الدار الآخرة، وأن ما عند الله خير وأبقى، ولذلك صدق من قال:"دماء الشهداء ومداد العلماء في الميزان سواء"؛ فالحرف نبتة شذى لا تطلق عرفها ولا تمتد سيقانها ولا تلقي بظلالها إلا من خلال العرق والدم.
إني أكتب هذه الكلمات وقلبي يتأمل السهول والوديان تضج بالمجاهدين، تختلط فيها العمائم قارئة سورة الأنفال، تسير في المقدمة حينًا وفي الوسط حينًا، فإذا حضرت الصفوف قال الشيخ ابن قدامة المقدسي أو ابن تيمية وقبلهما الآلاف كابن مبارك يسألون بعض الجند:"أين موطن الموت هنا؟"
إنها أمانة الكتاب حين حمل الحافظ لكتاب ربه سالم مولى حذيفة -وهو الذي قال فيه عمر: لو كان