الصفحة 78 من 171

نصر الله نبيه - صلى الله عليه وسلم - وأظهر الإسلام قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله -عز وجل-: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} ؛ فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد"، قال أبو عمران:"فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله -عز وجل- حتى دُفن في القسطنطينية"."

فمثل هذا الحدث الذي عاشه هذا الصحابي ترسخ في ذهنه، وترسخ النص معه، وفقه معناه، وأحس نوره وهداه، وعاش حركة حرفه.

والتربية بالحدث هي أرقى أنواع التربية، وما دام أن القراءة تربية وسلوك وصناعة؛ فإن القراءة من خلال الحدث تكشف أعماقًا للحرف لا يصل إليها الواقف على حده وشاطئه.

عندما ذهبت إلى بيشاور ورأيت الشباب المجاهد عجبت لهم كيف ينتزعون الآيات حضورًا، آيات الصبر والبلاء، وآيات الهجرة، وآيات الجهاد والقتال، وإنه مما كان يُمدح به الرجل مع كتاب الله تعالى أن يقال فيه:"وأنزعهم للآية"، كما وُصف مالك -رحمه الله تعالى-، وكما حسد الحجاج سعيد بن جبير فقال حاقدًا:"قاتله الله ما أنزعه لآية"، وكذلك وُصف ابن تيميةـ، وأعظم المسلمين في هذا الفن هو أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وخاصة وقت المحن واضطراب القلوب كما رأينا ذلك في حادثة وفاة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عندما عالج الاضطراب بنزعه لآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}

وهذا العلم وهو القراءة من خلال الحدث تعلمه الصحابة -رضي الله عنهم- من وجهين:

1.الوجه الأول: هو التجربة والحياة نفسها التي كانوا يرون فيها حضور النص الهادي مع الحدث، فلامس النص عقولهم ووجدانهم.

2.الوجه الثاني: هي الطريقة النبوية في التربية والتعليم؛ فقد كان - صلى الله عليه وسلم - يحضر النص الإلهي طريًا وخاصة ما كان خبرًا عم الأمم السابقة ليرى الصحابة تواصل الإنسان، بإيمانه أو كفره، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - حين أشار عليه أبو بكر برأي وأشار عليه عمر برأي آخر في أسرى بدر فقال - صلى الله عليه وسلم: (إنما مثلك يا أبا بكر مثل عيسى حين قال: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، ومثلك يا عمر مثل نوح حين قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} ) . وتمثله - صلى الله عليه وسلم - أمام أصحابه بالنص أو الحدث كقوله - صلى الله عليه وسلم: (رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) .

ولذلك فقه الصحابة هذا العلم وتمثلوا به، ومن ذلك قول سعد بن معاذ عندما طلب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - تعريضًا حرب قريش خارج المدينة، إذ كان الأنصار بايعوه من قبل على حمايته داخلها فقط، فقال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت