فهرس الكتاب
ومن نوادر هذا الأمر أن سبب وفاة الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- صاحب (الصحيح) ، أنه سئل عن حديث فرجع إلى بيته بعد العشاء، وأوقد السراج، جعل ينظر في الأجزاء والمشيخات مستغرقًا معها، وكان يأكل التمر، فما زال مشغولًا بالنظر ولم ينتبه لأكله حتى أكثر الأكل فقضي عليه.
وكتابة الحديث ومذاكرته وطلبه أفضل من صلاة النافلة كما هو مشهور بيّن من كلام أهل العلم، قاله سفيان الثوري وابن مبارك والشافعي.
وهذا الذي قدمته ذرة من جبل هذا العلم العظيم، ذكرته فقط لحصول البركة في هذا الكتاب، فإن حبي لهذا العلم لا يعدله حب علم آخر إلا الكلام في تفسير كلام الله تعالى، ثم هذا العلم ثم أصول الفقه، ثم الفقه، حشرني الله مع أهلها يوم القيامة، آمين.
وإنه مما ينصح به طالب هذا العلم والناظر فيه أن يسلّم للأوائل مالم يستكمل عدته، فقد تجرّأ أقوام اليوم على التصحيح والتضعيف، ومخالفة الأوائل وهم لا يعرفون مقاصدهم ولا قواعدهم، وهذا -إن شاء الله- أُطيل فيه النَّفَس في فصل"مقاصد المؤلفين ومفاتيح الكتب".
وكان من نصيحة الدكتور الشهيد عبد الله عزام لطلابه -وأنا منهم حيث علمني في السنة الأولى قبل فصله من الجامعة الأردنية-، أن يجعل طالب العلم لنفسه وردًا لقراءة الحديث كما أن له وردًا من القرآن، وإنه من فضيلة هذا الدكتور وهو مدرس في الجامعة الأردنية نشر الترغيب في تلاوة كتاب الله، حيث قلما كنت ترى طالبًا متدينًا في الجامعة الأردنية إلا وفي يده مصحف -طبعة الشمري التي كان يحبها ويرغب فيها رحمه الله تعالى- يقرأ فيه، وهذا من ترغيبه وتربيته التي فقدتها جماعة الإخوان المسلمين عندنا في الأردن بعد رحيله.
رحم الله الشيخ الدكتور عبد الله عزام فقد كان فريدًا إمامًا، وإنه مما يؤسف له أنه لم يكتب عنه إلى الآن الكتابة اللائقة به، لكن يكفيه ما خطّ في الأرض من أثر وفي الشباب من حب الجهاد في سبيل الله تعالى، والله عنده حسن الجزاء، ويكفيه أعظم كرامة وهي الشهادة في سبيل الله تعالى.
إن أعظم قراءة دينية هي قراءة الصحابة -رضي الله عنهم-، وهي القراءة من خلال الحدث، فقد تعلموا هذا الدين من خلال المعاناة والصبر والبلاء، وكما قيل:"إن هذا القرآن نزل بحزن فاقرؤوه بحزن"، وكانت الأحداث التي يعيشونها ويحسون بقيظها وحرارتها، ثمَّ ما يأتيهم من الهدي الإلهي من نص قرآني أو حديث نبوي، فتترسّخ لديهم العلوم والمعارف ويفهمونها على حقيقتها علمًا ويتقلبون في أنوارها وجدانًا وذوقًا؛ فالنص ليس حرفًا فقط بل هو نور يهدي ويكشف ويعلم، وحياة وروح وحركة.
عن أسلم أبي عمران قال:"غزونا من المدينة نريد القسطنطينية وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط بالمدينة، فحمل رجل على العدو فقال الناس: مَهْ مَهْ، لا إله إلا الله يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما أُنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما"