الصفحة 76 من 171

المدينة ولا يرى فضلًا في غيرها حتى قال:"إن الحديث إذا جاوز الحرَّتين ذهب مخّه"، ولم يصِب -رحمه الله تعالى- حتى قال الشافعي:"الليث -وهو من أهل النوبة في مصر- أفقه من مالك، لكن لم يقم تلاميذه بحقه".

هذا السماع كان من أجل كتابة الحديث وسماعه وأخذ الإجازات وطلب علو الإسناد، ولذلك عمّت الرواية بين أهل الأمصار وتنافسها في جذب الشيوخ والعلماء.

وهناك مجالس للمذاكرة بين العلماء، وقد عدّ الإمام البخاري المذاكرة أقوى سبب للحفظ وتنميته، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل إن زاره أبو حاتم الرازي -نسبة للري على غير القياس-، ترك نوافل أعماله من العبادات من أجل مذاكرته في الحديث والفقه.

وانتشرت مجالس المراجعة بين التلاميذ يصححون عن بعضهم البعض، ويختارون أعلمهم من أجل انتخاب أحاديث الشيوخ.

وانتخاب الحديث يعني أن يختار الطالب أحاديث خاصة من جملة أحاديث الشيخ كالغرائب أو الصحاح أو العوالي وغير ذلك.

والمقصود بالحديث العالي هو ما قلَّت فيه سلسلة الرجال في سند الحديث بين الراوي وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وقد كان بعض العلماء بل أغلبهم لا يجلسون للتحديث إلا على وضوء هيبة لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأما مجالس قراءة البركة للحديث فقط من فعل المتأخرين.

وهناك مجالس لختم رواية الكتب لها سمات خاصة.

وقد عُرف شغف العلماء للحديث، حتى أن الإمام البرديجي كان يسهى في صلاته فيقرأ الحديث بدل القرآن، وقال بعضهم:"إني أخاف ألا أؤجر على رواية الحديث لشغفي به".

وكما تقدم فقد نشأت علوم ومجالس خاصة لها رديفة لعلم الحديث؛ كمجالس الجرح والتعديل والسؤال عن الرواة والكلام عليهم.

وعلم الحديث علم الفحول من الرجال كما قال الأئمة؛ فإنه علم الحفظ وعلم الفقه وعلم النظر، ومن نظر إلى قواعد المحدثين وجهودهم في صيانة الحديث عَلِمَ أي نوع من الجهود قد بُذلت فيه حتى وطِئوا أكنافه الصعبة.

وكان للعلماء مجالس خاصة للنظر في الحديث مع أنفسهم، وأول من عُرف في هذا الباب -وهو تخصيص وقت من الليل للنظر في الحديث- هو أبو هريرة -رضي الله عنه- فقد قال:"ثلث أنام فيه وثلث أقوم وثلث أتذكر أحاديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، كما رواه الدارمي -رحمه الله تعالى-.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت