الصفحة 75 من 171

ركعة.

وقال ابن مسعود: هكذا كان يقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم -.

وهذا باب واسع عظيم.

وأما قراءة الحديث النبوي الشريف فهناك باب في علم مصطلح الحديث يسمى باب"تحمل الحديث النبوي"فيه طرق ثبوته؛ منها السماع والعرض والوجادة والإجازة وغيرها، وقد اختلف أهل العلم في التقديم بين السماع والقراءة على الشيخ، وكل ذلك خير.

ومجالس سماع الحديث النبوي في التاريخ الإسلامي مشهورة كان يحضرها الآلاف، يحضرها الخلفاء والسلاطين والقواد، والأعيان وعوام الناس، ويحرص عليها الآباء لأبنائهم ليحصل السماع المبكر وإدراك الشيوخ، وقد كان لها وقع جميل على الأنفس حتى أن المهلب بن أبي صفرة كان يرى أن نداء المسمع -وهو موصل صوت المحدث للجمهور من كثرتهم- وهو يقول له:"ماذا قلت يرحمكم الله؟"أحلى عنده من أي كلام سمعه كقائد عسكري طول عمره.

وقد كان من أماني المأمون أن يجلس مجلس التحديث لما يرى من فضل المحدِّث وعظمته في نفوس الناس، حتى أن زبيدة زوج هارون الرشيد قالت لرشيد يومًا:"إن يزيد بن هارون هو الخليفة وليس أنت"، لما سمعت من شرفة قصرها تشميت السامعين لعطس يزيد بن هارون، ويزيد هذا كان له هيبة عجيبة حتى إن من الأخبار ما تقول: إن المأمون خاف القول بخلق القرآن في وجود يزيد هذا، وما أظهر هذا القول إلا بعد وفاته.

وممن عُرف بالهيبة التي سامت هيبة الخلفاء من أهل الحديث في مجالسهم شعبة بن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث في زمانه، وهو أول رجل من المسلمين جلس مجلسًا للكلام على الرواة جرحًا وتعديلًا، وهذا علم نشأ أول الإسلام لكن نما وترعرع على يد أهل الحديث -شكر الله سعيهم وحسن صنيعهم وبركة يدهم على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -.

وكذلك الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-، وأكثر من اشتهر هيبة وسطوة هو الإمام مالك -رحمه الله تعالى-؛ فقد كان مجلسه أكثر هيبة من مجالس الخلفاء.

هذه المجالس كان لها آدابها وسننها، وكتب في هذه الآداب كتبًا، وتناقلها الناس سلوكًا وتربيةً تحملها الأجيال إلى من بعدهم، حتى إن بعض المحدثين كان إذا رأى تلميذًا يبري قلمه في مجلس التحديث ترك المجلس وخرج، إذ يجلس الناس فيها كأن على رؤوسهم الطير، يكتبون ويصححون.

ومن أجل هذه المجالس رحل الناس طلبًا لها ولسماع الحديث فيها، ولذلك نشأت الرحلة في الطلب، يتحمل الطالب من أجلها الجوع والخوف والتعب، حتى إن بعضهم شرب بوله من شدة الحاجة، ومنهم من أنفق كل ماله الذي ورثه من أجل الرحلة، ولا يحصل للمحدث الفضل إلا بالرحلة ولا يُعرف عن عالم إلا وارتحل، إلا ما يُعرف عن مالك -رحمه الله تعالى- فإنه كان يعتدّ برواية أهل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت