كثرة القراءة وتنوعها يجعلانك أكثر قدرة في إدراك المسكوت عنه في الكتب، ليس فقط ما تحسّسه الكاتب ولمسه أو عَرَّض به لكن ما هرب منه وأخفاه، وهذه"شيطنة"يمارسها الكثير من الكتّاب، بعضهم استغفالًا للقارئ وجبنًا منه أو ضعفًا وجهلًا، وبعضهم يمارسها ذكاءً وعن قصد عقلي علمي ليظهر قدراته في هذا الفن الغريب العجيب، وهنا يأتي دور"القراءة الناقدة"، هذه القراءة التي لا تتكون من خلال قواعد تُدرس فقط، بل من خلال طول ممارسة ومعاناة ونظر وسماع.
إن كثرة العلم عند القارئ تجعلان الكتاب الذي يقرؤه يفيد علمًا أكثر؛ فالقراءة -كما ذكرت مقدمًا- ليست تلقيًا فحسب بل هي مشاركة، فكما أنك تستمد منه المعرفة والعلم فكذلك أنت تبسط على مساحات أوسع من المعاني وذلك بمقدار ما معك.
وإن نوع القراءة كذلك يؤثر على عمق القراءة؛ فالكتب مراتب بحسب أصحابها ومقاصد واضعيها، وبحسب موضوعاتها، وها أنا أدلك على بعض أنواع الكتب النافعة والتي لها فعل الترياق في هذا الباب، فإن أخطأتها فقد فاتك خير عظيم لا تدركه في سواها، وجامع هذه الكتب أنها كتب سجالية:
-كتب أوائل العلوم؛ فإن لكل علم كتبًا أولى كتبها أصحاب عقول فريدة، شقّوا لهذه العلوم قواعد مكتوبة، وإن علمنا أن هذه القواعد كانت مستقرة في النفوس، ولكنّ هؤلاء السابقين في الحفر والإبانة لهم مزيات ولكتبهم عمق متميز لا يدركه المتأخر، وإن بدا لك أن المتأخر قد بسطه ووسعه وزاد عليه أو عدله أو قوّمه، فإن ميزات كتب السابقين تكون عادة مبينة على كميات هائلة من الأفراد، والتي من خلالها حصل الاستقراء الذي هو: استخراج الكلي من الجزئي كما يعرّفونه، وبه تكوّنت قراءات هؤلاء السابقين المبدعين.
من الخطأ الذي شاع هذه الأيام وانتشر أن العلوم الإنسانية، كاللسانيات والاجتماعيات تتطور في ارتقاء، وهذا الوهم أعرف أنه يسيطر على عقول الكثير من الناس والباحثين، حتى أني مدرك أن الكثيرين سيجابهون قولي هذا بالاستهزاء وليّ الشفاه احتقارًا، ولا بأس، فإن ظلال هذه العلوم تتجلّى من خلال الممارسة كما هو معلوم، تتجلى من خلال الشعر والأدب ومن خلال السياسة بمفاهيمها المتنوعة سواء الدولية أو التربوية أو الاقتصادية، فهل العالم اليوم في هذه الجوانب القيمية أرقى من جدوده أم أنه منحدر ومنحط عن هؤلاء الجدود والآباء؟!
فكر بعقلك قليلًا ودع عنك شعوذات خرافيي الحداثة الكذابين، وسيتجلّى لك الجواب بسهولة.
القيم الإنسانية لا تتطور، والتجارب الإنسانية القيمية لا تتراكم بل هي تعيش في دورات وفي كل دورة يحصل صراع بين قيم الحق والباطل، حق لا يتطور، وباطل يتزخرف، يشهد لهذا الدين والشرع وسيرورة الحياة نفسها.
لا أدري إن كتب أحد في هذا الباب لكن رأيت الدكتور مؤنس في كتابه الرائع المفيد (الحضارة) أشار إليها إشارة سريعة، مع أنها كانت حاضرة في عقول الأولين، ولابن القيم فقرة رائعة في كتاب