الصفحة 103 من 171

إني أعتقد -وهذا رأي قد يُخطئ- أن قضايا معاصرة كبيرة تحتاج اليوم للكتابة حولها وخاصة من قِبل أهل الإسلام، فكم كُتب اليوم عن البُنيوية والحداثة وما بعد الحداثة من وجهة نظر إسلامية أو من وجهة نظر أدباء إسلاميين؟ مع أنه قد كُتب عنها الكثير اليوم من قِبل أهلها وخصومها من غير الإسلاميين، من هنا أعتقد أن المفكرين الإسلاميين اليوم متخلفون عن الفعل الإسلامي -كما كتبت هذا بتوسع في (لماذا انتصرنا؟) -، وقد مضى زمن الفكر الإسلامي الراقي كما كتبه مالك بن نبي وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وسيد قطب ومصطفى صادق الرافعي، وما كتبه غازي التوبة قديمًا، -والحقيقة هو كتاب واحد وهو كتاب (الفكر الإسلامي المعاصر) ، وأما كتبه الأخرى فتدل على عدم عناية بالتجديد وكذلك عدم التعمق-. أما بعض ما يُكتب اليوم من قِبل المفكرين المسلمين فهو على غِرار"أبو اعرفوني"، وإني لحزين أن أقول هذا الكلام، ولكن ماذا أقول والكل يرى هذا التخلف!

فهل كُتب إسلاميًا في العولمة الاقتصادية ممثل (نذر العولمة) ليحيى عبد الحي زلوم؟! وهل كتب إسلاميًا في البنيوية مثل (المرايا المحدبة) لعبد العزيز حمودة؟! -وله (المرايا المقعرة) ولم أقرأه، لكن (المرايا المحدبة) رائعة من الروائع وفيه شجاعة محمودة أمام طوفان الشذوذ-.

ليتذكر مشايخنا ومفكرونا وأساتذتنا أن الكتابة الجيدة تصنع القارئ الجيد وتُرغِّب الهارب في القراءة، وإنّ بعض مَنْ يكتب منّا ما لو وُجد محتسِب لحجر عليه، ولكن ماذا نفعل حين يكون من أصحاب الأيدي الطويلة، وهو لوحده له مجلة لم تمُت لبركة النفط، وليس من شغل فيها إلا أن يُصدّع رؤوس قرَّائه بقوله: حذّرنا وقلنا ونبهنا وهذا رأي قلناه من قبل حتى في بيان نَعي لعالِم يكون كلامه عن قصته هو لا حياة العالم -إي والله- فإنه لا بد أن يبتدئ بقوله:"كنتُ .."أي لا بد من"أنا"، مع أنه لا يدري -وهو المسكين في باب العلم والذاكرة- أنه يقول القول ويقول بضده، وقد يُعذر لأنه لا يسمح لأحد بتذكيره أو تنبيهه، وإلا لذاق الأمرَّين.

إن الفكر الإسلامي يعاني قزميَّة خطيرة أمام الفعل العظيم تعيشه الأمة في صراعها مع الأعداء، لقد شكى بعض الكاتبين من قلة ما يُكتب عنهم نقدًا، وأقصد في الوسط الإسلامي، ومن هؤلاء الدكتور عماد الدين خليل، وهذا الدكتور كتبه روائع نافعة سواء كانت في التاريخ أو الأدب، ولكن أقول له: يا دكتور، وسطنا الإسلامي يعُدُّ الكتابة عن الآخرين شهرة لهم، ووسطنا يعاني أمراض الشيوخ التي وصفها ابن عباس وجعل رأسها الحسد، فكيف يتفرّغ أحد ليكتب عن الآخر وهو مشغول في تقديم نفسه وتضخيم كلامه تورمًا؟!

والجماعات الإسلامية التي كانت في بدايتها وسطًا لإنتاج الفكر والمفكرين عادت عليها عوادي السُّنن فحولتها إلى مجرد شركات يُديرها ويهتم بها ويقتات منها مجرد موظفين لا أكثر ولا أقل، تسوقهم معيارية قيم السوق السياسية والاجتماعية دون أي اهتمام بالفكر وأدواته، مع سُعار التنافس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت