فهرس الكتاب
وكتبه تدل على هذا؛ وفي كتابه الرد على الشيخ عبد الفتاح أبي غدّة في موضوع العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج، ذكر أنه قرأ (الإصابة في معرفة الصحابة) عدة مرات -لا أذكر الآن عددها-.
والشيخ عبد الفتاح أبو غدة فنّان بحق في إخراج الكتب، فما أن يضع يده في كتاب حتى يجعله خَلقًا آخر، بإضافة التعليقات العلمية وزيادة الأبحاث، والتي ربما خالفتُها لكن نعترف لصاحبها بالقراءة. والرجل له عين حاذقة فيما يعلق من الكتب فيبرزها، ثم إنه يعتني اعتناءً زائدًا في الطباعة وإخراجها، ولم أعرف إلا بعد وفاته أن الدار التي تطبع كتبه هي دار خاصة له، ومما يريحك في تعليقاته أنك لا تحس تبجُّحًا كما ترى من غيره من الصغار، والرجل لا أعلم له مثيلًا اليوم في هذا الفن، مع أن الكثير يجري.
ومما يؤسف له اليوم أن بعض الجهلة يأخذون هذه الفوائد من قرّاء ويضيفون عليها بعض اللمسات المزينة وينشرونها بأسمائهم لشهرتها، موهمين القراء أنها لهم، وهي لآخرين ممن لا يُعرف لهم اسم بين الناس، والناشرون لسُعارهم المادي يشجعون على هذا النشر لهذه الكتب بأسماء المشهورين، ولأن الكثير من القراء يقتنون الكتب لهذه الأسماء حتى لو كانت حجرًا لا قيمة له.
ولقد رأيت من يطلب من بعض النَّهمين الشباب في القراء أن يقرأ له مجلدات ويستخرج منها فوائد يريدها لينشرها باسمه، وهذا سيء في الناس؛ فكيف وهو ينتشر بين من يُنسب للعلم وأهله!!
أصلح الله الحال وهدى الضّال.
ومن قرأ كتب أهل العلم القدماء يتبيَّن أنهم كانوا يُقوّون علمهم ونظرهم بهذه الطريقة -أي كتابة الأبحاث-؛ فإن المرء الناقد لا يخطئ أبدًأ أن (ملخص المستدرك) للإمام الذهبي لا يعدو أن يكون تجربة للإمام للتمرين على نقد الأحاديث والتعليق عليها.
فالقصد أن كتابة الأبحاث والدراسات العلمية والرصينة تقوّي لدى المرء القراءة الناقدة وتجعله أكثر اهتمامًا بالنصوص والبحث فيها، لكن هذا لا يدل على أن كل من كتب بحثًا أو كتابًا فهو من أهل"القراءة الناقدة"، فالكثير يسرق من هاهنا ويضع هاهنا ويقول ألَّفته أنا! وخاصة هذه الأيام التي صار سهلًا الحصول على المراد، وكثرته في آلات النشر الحديثة. ونحن هاهنا نتكلم عن صناعة القارئ لا الكاتب، وإن كان القارئ الجيد لا بد أن يجد نزوعًا للكتابة ولكن قد يقهرها فتموت عنده بعد مدة، فالمطلوب استغلال هذه النَّزعة من أجل تنمية قراءاته ومعارفه وعلومه.
القراءة طريق طويل لا ينتهي، وهناك بعض الكُتّاب يظهر من كتبهم أن قراءاتهم قد توقفت، فاهتماماتهم قديمة ولا جديد لهم حول القضايا الحادثة والجديدة، بل ولا مراجعة لهم لأهل التأثير هذه الأيام، فهل بقي مكان اليوم ليُكتب عن طه حسين أو العقاد أو لويس عوض؟! أو هل بقي مكان اليوم ليُكتب عن الحزب القومي السوري؟!