الصفحة 105 من 171

من يستطيع القول اليوم إن مخطوطات الأمس هي أفضل من هذه الكتب المطبوعة اليوم بخطوطها الواضحة، وبترقيمها الجيد، وبتنسيقها الرائع، وبتبويبها السهل، وبفهرستها العلمية؟!

لما رأى الشيخ محمد رشيد رضا (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف) فرح به فرحًا شديدًا وقال:"لو كان منذ زمن بأيدينا لوفر علينا كثيرًا من الأوقات"، فكيف لو رأى الشيخ الأقراص الكمبيوترية التي خرجت هذه الأيام ماذا سيقول؟!

إنه تطور ممدوح لأنه يعين ويسهل ويشيع العلم والمعرفة، لكن إن وُضع موضعه الصحيح. الكمبيوتر اليوم جزء من الحياة، وهو مثل الثقوب السوداء في الفضاء، هذه الثقوب الصغيرة والصغيرة جدًا، لكنها حاوية على قوة جذب عالية القوة، فما إن يمر بها نجم أو كوكب حتى يذهب إلى جوفها، وهكذا هذا الجهاز العجيب، كل يوم يصغر ومع ذلك لا يكفُّ عن الابتلاع؛ فقد ابتلع الكتاب وآلات الطباعة والتلفاز والهاتف والمسجل والألعاب والراديو وآلات التصوير ومجالس المحادثة وآلات الموسيقى والآلة الحاسبة وأدوات الرسم ووسائل البريد وعقود البيع والشراء وغيرها، وقدرات أخرى خاصة به وعجيبة، ولا يدري الناس أين ستنتهي هذه القدرات، ولذلك ليس عجيبًا أن يكون الأمّي اليوم هو من لا يعرف التعامل مع الكومبيوتر، فهو آلة الآلات ومفتاح الحياة بكل معارفها، صار يختزن في داخله ذاكرة التاريخ وعلوم الإنسان، يصل إليها المريد بأيسر الطرق وأسرع الأوقات.

مثل هذه الأدوات يكون الفضل فيها لطرفين: المكتشف لها ثم المستفيد منها، والمستفيد منها قد يكون حاله كحال القزم الذي وقف فوق عنق العملاق فطال ما لم يطله العملاق نفسه، وللأسف أن أمتنا لم تدرك إحدى الفضيلتين بعد، وهذه هي مظاهر الضعف وعوارضه، وكما أن الأمة الضعيفة لا تستفيد من عوامل القوة فيها؛ فإن استفادتها لمقومات القوة الحادثة ستكون كذلك، ولن يملَّ المرء إعادةً وتذكيرًا في كل موطن أن أساس الداء ومظهره هي الدولة والإرادة السياسية في هذه الأمة، والعلاقة بين هذه الأمة وهذه القيادة كعلاقة القلب والشرايين، فكلاهما يمد الآخر بما عنده من ضعف أو قوة، فالقلب يضعف بضعف الشرايين ومرضها، والعكس صحيح كذلك، لكن القلب هو القائد والنابض، وما نراه اليوم من عوامل قوة علمية وعملية تسري في الأمة إنما هو لمقاومة هذه الأمة لعوامل الزمن العادية وضلال الإدارة الفاسدة، فالدولة اليوم ليست حيادية -وليست هي كذلك في أي طور من أطوار التاريخ- بل هي عامل عدم وقويض لسعي الأمة نحو قوتها وشفائها.

كل ما نراه اليوم من استغلال لأدوات العلم ونشاط العلم ونشر العلم إنما هو في جوهره مقاوم لانحياز الدولة إلى خيار الجهل والمرض، تقوم به جهود فردية مخلصة لتراثها وأمانة العلم ومؤسسات أهلية يرعاها مخلصون وأصحاب همة وعزيمة، وبعض المؤسسات التجارية التي تجمع بين همّ العلم والمال، وقد تحقق من هذه الجهود أمور طيبة حسنة فيها النفع للعلم وأهله، فجزاهم الله خير الجزاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت