الصفحة 51 من 171

ثلاثون عامًا، رحلة السماع والمراقبة والتأمل والاختبار والجوع والعطش والإرهاق والتعب تُقدَّم لك في دفتين ترحل معها وبينها في أسبوع!

وليس عجيبًا أن يقول أبو نواس عن نفسه:"ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة غير الخنساء، فما ظنك بالرجال؟ وإني لأروي مائة أرجوزة لا تُعرف".

ما أجهل هؤلاء الذين يظنون أن رحلة الكتاب لا تعدو أن تكون على الأرائك المريحة والفرش اللينة.

نعم يوجد من لا يُفرِّق بين الفحم والماس بجامع أن كلًا منهما كربون، لكن لا تجد مجنونًا يعلق على صدر حبيبته قطعة فحم سوداء أخذها قبل قليل من موقد التدفئة.

وهذا بسطُه في"مفاتيح الكتب"إن شاء الله تعالى، ولكن هذا يقال هنا ليُعلم أن ما يتحدث الناس عنه ويحرص عليه المتعلمون من طقوس الفكر هي متمّمات لصناعة الفكر، فحين يسمع أحدهم أن لون القلم يؤثر على نشاطه الكتابي، فيذهب المبتدئ مقلدًا ظانًا أنه يمكن بقلم من هذا اللون أن تصنع منه كاتبًا.

في لقاء مع مجموعة مشهورة الأسماء في عالم الفكر والكتابة -وأغلبهم من أصحاب التوجه القومي والعلماني- كان الحديث عالي النبرة في بعض الأحيان، وكنت ألبس الثياب الأفغانية وأتحدث بطريقتي التي لا أتكلَّفها حيث أشير بيدي وأنفعل مع كل كلمة أقولها، فأراد أحدهم أن يُرطّب الجو، وهو دكتور مشهور، فقال للجالسين:"صدقوني أنكم لو خرجتم جميعًا إلى الناس الآن وتحدثتم جميعًا فإنكم ستجدون الجميع مشدودًا إلى أبي قتادة بلباسه هذا ونبرة صوته هذه"، فقلت له:"إن كانت القضية هي قضية لباس في اتباع الناس فلك عليَّ هدية من هذا اللباس لنرى الحقيقة!".

طقوس الفكر تؤثر ولا شك، لكنها من متممات العملية الفكرية، فقد كان أرسطو مع أتباعه يتحاورون ويتراجعون وهم يمشون ولذلك سموا بـ"المشَّائين"، وكان أرسطو يرى أن المشي يعين على الفكر والتعمق فيه، لكن ماذا تصنع مثلًا لو ابتُليت بمن إذا ماشاك كلما أراد الحديث شدك بضبعيك وكتفك يريد إيقافك لتسمع له؟! حينها لا بد أن تسكت طالبًا جلسة تفصل بينك وبينه مسافة لتسمع له ويسمع لك.

وما من مفكر إلا وهو مشهور بطقس فكري، أذكر لك بعض الأمثلة على غير تنسيق:

-ذكر الأستاذ محمد سعيد العريان عن الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي -وقد كان أصمًا رحمه الله تعالى- كما في كتاب (حياة الرافعي) أنه إن أراد الكتابة يدخل مع العريان في غرفة كتبه وهي ضيقة ويغلق عليه منافذها وهم في حر القاهرة الخانق، وهناك يلقي على تلميذه ما يريد كتابته، فإن حاول التلميذ فتح النافذة لضيق الجو عاد الأستاذ لإغلاقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت