حالة غريبة ولا شك، لكن الأستاذ الرافعي غريب كله، رائع كله، وله في عنقي دَيْن ولا بد أن أرويه، لا دين المتعة والفائدة، بل دين الالتزام الديني:
في الرابعة عشر من عمري تعرفت على (وحي القلم) ، كتاب وقع في يدي عرضًا كأغلب الكتب وذلك خلال تنقيبي بين الكتب في المدرسة الثانوية التي انتقلت إليها بعد الإعدادية، وكانت أكبر بكثير من الخزانة اليتيمة إياها التي حدثتك عنها سابقًا, وكنت قرأت قبل (وحي القلم) (حديث الأربعاء) و (على هامش السيرة) و (بين بين) لطه حسين، وهذا فقط ما قرأته لطه حسين يومها، ومع (وحي القلم) طِرتُ كما أراد بشار من المهدي عند سماعه لأبيات أبي العتاهية، وما زلت أذكر تلك اللذة الطاغية مع كلام الأستاذ الرافعي، وإني أُشهد الله تعالى في تلك السن، ومع تلك القراءة الفطرية عجبت أن يكون طه حسين هو عميد الأدب العربي! ولم أكن أعرف لم سمي بهذا الاسم ولا بفن الألقاب وصناعتها، وقلت في نفسي: إن الرافعي من يستحق هذا اللقب لا طه حسين.
ومع (وحي القلم) بدأت أنزلق في داخله حتى وصلت إلى قصة توبة مالك بن دينار -رحمه الله تعالى-، وهي قصة صاغها الرافعي على طريقته الرائعة الجميلة والفريدة التي لا يقدر عليها سواه، كما قال الدكتور محمد رجب بيومي في كتاب بعنوان (مصطفى صادق الرافعي) .
وعندما وصلت إلى حكاية الرؤيا التي رآها مالك بن دينار بعد وفاة ابنته من رؤية النار وعذابها حتى رأيتني أغلق الجزء الثاني من (وحي القلم) -وفيه القصة- وأرسل عيني باكيًا متأملًّا أن مثل هذه الرؤيا قد حصلت معي، فقد تذكرت أن ثمة رؤيا مناميّة مرت عليّ يومًا وأني رأيت القيامة، فصرخت في الرؤيا قائلًا: يا رب لو أخرتها قليلًا حتى أصلي. وكنت أيامها لا ألتزم بالصلاة، أصلي يومًا وأترك أيامًا.
في لحظتها قلت: ها قد تأخرت القيامة فهلا صليت! وقمت من فوري إلى الاغتسال والصلاة، وكانت صلاة المغرب، ومن يومها كان الالتزام.
رحم الله الأستاذ الرافعي وشكر الله له فضله عليّ، وهذا فضل آخر من أفضال القراءة عليّ بحمد الله تعالى.
-ذُكر من أخبار أبي نواس أنه قال: لا أكاد أقول شعرًا جيدًا حتى تكون نفسي طيبة وأكون في بستان مؤنق، وعلى حال أرتضيها من صلة أو وصل أو وعد بصلة، وقد قلت على غير هذه الحال أبياتًا ولا أرتضيها.
-ذكر ابن القيم -رحمه الله تعالى- أمرًا غريبًا عن شيخه ابن تيمية حين استعصاء بعض المسائل العلمية عليه، وكيفية حلها، ذلك أنه كان يذهب إلى مسجد مهجور في نواحي دمشق، ويسجد طويلًا مبتهلًا متبتّلًا بقوله:"يا مُفهِّم إبراهيم فهّمني"، حتى يري أحد الوجوه قوية في قلبه حول المسألة.