الصفحة 53 من 171

وهذه الطريقة العظيمة في طلب الحق قاصرة على المتعبدين الذين يعلمون حقيقة العلم وصلته بالعبادة ومقصده في الوصول إلى رضى الله تعالى، وقد بيّن ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في كتابه (الرد على المنطقيين) هذه الطريقة الفريدة العظيمة في مبحث الاهتداء وطلب العلم، وذكرها ابن خلدون في آخر كتابه (المقدمة) وذلك تحت فصل"في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريقة إفادته".

وها أنا أحكي لك عن تجربة صادقة لعلك تنتفع بها:

أول ما صادفني الخلاف في موضوع الأسماء والصفات وعلاقتها بذات الله تعالى وأنا في الصف الثاني الثانوي حيث كنت في رحلة مع جماعة التبليغ، وكان فيها شباب سوريون من حماة، علمت بعد زمن أنهم من تلاميذ الشيخ الصوفي المربي أديب الكيلاني، والذي قُتل بعد ذلك على يد النظام النصيري الخبيث خلال الحركة الجهادية في سوريا، كان هذا في سنة 1977 ميلادية، وجرى نقاش بينهم وبين شاب آخر حول هذا الأمر، وكنت وقتها مقتنعًا بقلبي كما هو أمر جماعة التبليغ؛ فالعلم عندهم علمان: علم المسائل وهذا لا نخوض فيه، وعلم الفضائل وهذا هو همّنا. فما أن طرق البحث سمعي حتى أحسست بانقباض شديد وهزة خفت فيها على إيماني الفطري، وشكوت أمري وخوفي بل رعبي لأمير الجماعة وهو رجل عاقل اسمه صبحي عمران كان مع العمل الفدائي زمنًا ثم التزم بطريقة صوفية وهي"الرفاعية"فيما أظن ثم صار إلى جماعة التبليغ، وفيه ذكاء وإن كان قليل العلم، فداراني بطريقة جيدة حتى ذهب ما في نفسي من الأمر، وكان مما أذكره من كلامه: أن هذه المسائل ليست من الشريعة في شيء، فالفطرة على طريقة ساذجة هي الجواب، وأن الصحابة لم يكن يعنيهم هذا العلم، والغريب أن قول هذا المربي رأيته بعد ذلك مع معلم"العقيدة"في كلية الشريعة وهو الدكتور راجح الكردي الذي كان يردد عند بحث هذه المسائل بقوله:"عقيدتنا قبل الخلاف"، وهو قول غير علمي وفيه الهروب والتحايل على الحقيقة العلمية، كما هو شأن هذه المسألة العظيمة وقد ذكر معتقده هذا في كتاب له قد طُبع.

ذهبت هذه المسألة من ذهني ولم تعد إليه حتى كانت السنة الأولى لي في الجامعة وفي كلية الشريعة حيث كانت مادة تحت عنوان:"الدعوة منهاج الدعاة"للدكتور أحمد نوفل، وهو دكتور تتمتع في دروسه لخلطه العلم بالدعابة، ولإشراقاته الفكرية الجميلة وخاصة ما يتعلق منها في تفسير القرآن الكريم، وكم كنت أحزن أن لا أراها -أي هذه المتعة- في دروسه التلفزيونية المسجلة.

في هذه المادة عادت المسألة للظهور، حيث جرى نقاش شديد بين"سلفي!!"وصوفي حولها، والعجيب أن الصوفي قال قولًا فيها يحكم شيخ الأحباش الصوفي عبد الله الحبشي عليه بالكفر، وكانت صداقتي لطالب آخر صوفي على طريقة الشاب الصوفي المناقش، وكان هذا الصديق حريصًا إن حملني في سيارته أن يحذّرني من بدع السلفيين وضلالاتهم، ولنهمة المعرفة لشاب الثامنة عشر من عمره كان لا بد من الرحلة في هذه المسألة من خلال القراءة وهكذا كان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت