فهرس الكتاب
كتاب وراء كتاب، وكتاب يدلك على آخر، والأمور تتعقد، فليست مسألة الأسماء والصفات إلا واحدة معها مسائل الإيمان والاختلاف فيه، والقدر، وكلام الله تعالى، و ... و .... ، والشاب لا يقلد، ومع ذلك ليس معه ما يحكم به بين الأقوال، ويزداد الاشتباك وتزداد الحيرة، فصار يهجر الجامعة لأيام وهو منطوٍ يقرأ ويراجع، لا يعرف حلقات علم يأوي إليها، ولا شيوخ يفضُّون له الاشتباك، فقط القراءة والتأمل، وما أن انتهى الفصل الدراسي للجامعة حتى كان قد قُدِّر أن يعتمر ويلتجأ إلى الله عند المُلتَزم، والذي كان يسمع حديثًا عنه يقول: (هنا تُذرف العَبَرات) [1] .
وهكذا كان ....
وإني أُشهد الله تعالى أني لا أدري وإلى وقتي هذا كيف حُلَّت المشكلة، وكيف وجدتُني مبصرًا لكل دروبها المعقدة، وكيف انحَزتُ بوعي ودليل إلى مذهب السلف، أعرف الأقوال ولوازمها ومزالقها، حتى أن بعض المسائل لم أكن أعرف ما تقول الفرق المختلفة فيها ومع ذلك أتوقعها منهم من خلال لوازمها وإدراكي لأصول الفرق وطرق استدلالها.
إنها القراءة وطلب المعونة من الله تعالى، وهو مسلك علمي حقيقي بل هو التطبيق العلمي لقوله تعالى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} .
-ومن عجائب ما ذكره ابن تيمية عن نفسه في طقوس الفكر وممارسته كما في كتابه العجيب الرائع (درء تعارض العقل والنقل) أنه كان في صِباه يحضر الفخر الرازي عنده في منامه ويناظره في عقائد المتكلمين وأفكارهم، وابن تيمية يرى أن الرازي وخاصة في كتابه (الأربعون في أصول الدين) هو أفضل مَنْ جمع قواعد المتكلمين وبسطها.
-ومن أحلام العلماء في هذا الباب ما سمعته من أحدهم- ولم أقرأه في كتاب- أن أبا حامد الغزالي رأى موسى -عليه السلام- في النوم، فقال له موسى -عليه السلام- ما اسمك؟ فقال أبو حامد: محمد بن محمد بن محمد الغزالي، فقال له موسى: أما يكفيك أن تقول: محمد الغزالي وكفى؟ فقال له أبو حامد: وأنت عندما سألك الله عما في يدك أما كان يكفيك أن تقول عصا وكفى بل قلت: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى} .
-وهناك من كتب علمًا في السجن، وهم كثر جدًا منهم السرخسي العالم الحنفي الذي كتب في الجُبّ كتابه (المبسوط) حيث كان يلقي على تلاميذه كلامه وهم يكتبون جلوسًا فوق الجب.
-وابن تيمية ألّف بعض كتبه في السجن ومنها ما هو من أفضل كتبه -وكلها فاضلة- وهو: (تفسير آيات أشكلت على كثير من أهل العلم حتى لا يوجد في بعض الكتب عنها إلا الخطأ) ، أظن هذا عنوانه وهو عنوان طويل كما ترى فإنه من أفضل الكتب في كشف كذب عدل الشيوعيين المزعوم
(1) وهذا من تأثير طريقة جماعة التبليغ في ترغيبها وتحريضها على النسك والتعبد.