فَلَم تَكُ تَصلُحُ إلا لَهُ ... ولم يكُ يصلحُ إلا لها
ولو رَامَها أَحدٌ غَيرَهُ ... لَزُلزِلَتِ الأرضُ زِلْزَالهَا
ولو لم تُطِعْهُ بَنَاتُ القُلوبِ ... لما قَبِل اللهُ أَعْمَالها
فاهتزّ أبو معاذ -بشار بن برد- وقال لمن حوله:"ويحكم ألم يَطِر الخليفة عن أعواده؟"وبشار هو من هو الذي لا يعجبه العجب، واعتِدَادُه بشاعريته حتى لا يرى سواها، لكنها سطوة الكلمة وروعتها المنشية رغم أنف سامعها إن كان صاحب ذوق وأدب ومعاناة.
في القراءة تكون الرحلة عبر الزمن والتاريخ وعبقه، أحداثه، مسرّاته وأحزانه، تتراءى لك الجيوش وتتهاوى أمامك ممالك وتنتصب أخرى، وتعيش سير الآخرين، فالإنسان أعظم من أن يكون واحدًا، إنه يستطيع أن يعيش آلاف البشر، ويستطيع أن يعيش آلاف القرون ويستطيع أن يتجاوز ما هو أسير له في بدنه من مكان وزمان.
مع القراءة تطوف في كل الأماكن، تحضر بناء المدن وتشييدها وهدمها، وتختلي في أزقتها مع أنفاس أهلها البسطاء، كما أراد ذلك الشيخ علي الطنطاوي في كتابه (قصص من التاريخ) ، ومع ملوك وسفههم كما أراد لك شكسبير في (الملك لير) ، ومع الطغيان وفلسفته في (ذئب البحار) لجاك لندن، ومع قطوف دانية من المقاربات الإنسانية المتعددة والمختلفة في (وحي القلم) لمصطفى صادق الرافعي، ومع رحلة القلق الفكري الذي يعزز واقع يحتويها، وصراعها يمتد من حلقة العلم إلى المعارك والجيوش في (المنقذ من الضلال) لمحمد بن محمد بن محمد الغزالي.
وبعد الإياب من الرحلة يبقى صخبها، ضجيج الحرف لا يزول بإزالة عينيك عنه، ورائحة التاريخ تبقى سحائبها، وقيم العلم تستقر في قلبك وعقلك، تُشكِّلك بعد أن طحنتها كلها أنت في داخلك، تَلبَّستك بعد أن أحضرتها أنت ضيفًا عليك، فأنت تبنيها وهي تبنيك، وحين تتعب تسرح نفسك متأملة تأمل الرقي والوعي الذي صنعته القراءة، ومدندنًا بالحرف الذي راقت لك موسيقاه وجرسه، وحين تجتمع مع الإخوان تأخذهم إليك، إلى حديقتك، تصنع لهم جديدًا من خليط قراءاتك، وتروي لهم حروف قراءاتك، وحينها تستحق في ختام الرحلة اسم: عالم.
(يُقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارتق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها) .
هذا هو أمر قراءة القرآن في الآخرة، وهو أمر كل قراءة في الدنيا.